صالح والعليمي نموذجان متناقضان في الخطاب والقراءة
منذ الصغر، وأنا أملك ذلك الفضول الغريب نحو قراءة كتب الفكر والتاريخ والسياسة التي كانت مركونة في مكتبات بعض السياسيين الذين كنت أعرفهم في مديرية مشرعة وحدنان. كنت أستعير تلك الكتب بشغف وأغوص فيها لساعات، وربما لهذا السبب وجدت نفسي، بعد زيارات متعددة لمعارض الكتاب، قد قرأت في هذا المضمار أكثر مما قرأت في الكتب المؤدلجة حزبياً.
القراءات المبكرة لم تمنحني معرفة فقط، بل زرعت فيّ ملكة التأمل، وجعلتني أنظر إلى الخطاب السياسي وكأنه مرآة تعكس حقيقة صاحبه؛ ليس كلاماً عابراً يُلقى ثم يُنسى، بل بصمة تكشف عن ثقافة العقل الذي يدير الدولة والمجتمع، وعن مدى احترام هذا العقل لمن يخاطبهم.
قبل اندلاع ثورات الربيع العربي، كنت أقارن بين خطاب الرئيس المصري حسني مبارك وخطاب الرئيس اليمني علي عبدالله صالح. كان كلاهما قادماً من المؤسسة العسكرية، لكن الفرق شاسع، كالفرق بين سماء تصحو على ضوء الفجر وأخرى تغرق في عتمة الليل. كنت أجد في خطاب مبارك رصانة في المضمون والإلقاء، وحديثاً مهذباً يحترم منصب الرئيس ومن يخاطبهم، أما صالح فكان أمراً آخر تماماً. كنت أشاهد خطاباته، التي تتكرر مرتين في الشهر تقريباً، بقلق. كانت بالنسبة لي مجرد فوضى كلامية ارتجالية، وثرثرة تخلو من أي مضمون سياسي حقيقي، ولا تحمل أي مفردات ثقافية أو مصطلحات سياسية، وكأنها مقتطفات من سهرة في ديوان قروي؛ كلمات مليئة بالخصومات الداخلية، وتتناقض مع بعضها تناقضاً صارخاً، لدرجة أنك لا تعرف أيّ صالح تصدق في الخطابين. والأغرب أن هذه الخطابات كانت خالية تماماً من أي رسائل وطنية.
ومع افتقاره إلى فن الخطابة، لم يستعن صالح بأحد ليكتب له خطاباته، مع أن الكثير من الزعماء حول العالم، حتى من لم يكونوا خطباء، كانوا يحرصون على أن يكون لديهم فريق من المختصين يعدّ لهم كلماتهم. ليس عيباً أن يستعين الحاكم بغيره، بل العيب أن يظن أنه فوق الحاجة إلى ذلك. لكن صالح لم يفعل، والسبب عندي واضح: كان يكره المثقفين كرهاً عنيفاً، ولم يكن يريد حوله وجوهاً مثقفة، ولا بطانة تعرف معنى الكلمة المكتوبة، ولا رأياً يأتي في ورقة. وكما قال عنه علي سالم البيض في مقابلة تلفزيونية، كان يسخر من أي فكرة أو رؤية تُقدم له مكتوبة، وكان يرى في ذلك نوعاً من التحدي لسلطانه. وهذا منطقي، لأن الرجل، ببساطة، لم يكن قارئاً، ولم يحمل كتاباً أو يقرأ رواية في حياته. وكيف لمن لا يقرأ أن يحترم من يقرأ؟ وكيف لمن لا يعرف طعم المعرفة أن يقدّر من يعرف؟
شخصياً، عندما كنت أجلس لأشاهد أو أسمع خطابات صالح، كنت أشعر بالحرج، كأنني أشاهد شخصاً يعري نفسه أمام الملايين دون أن يدري؛ كلمات لا تجد لها مكاناً في العقل ولا في المنطق، وتناقضات بين خطاب وآخر تجعلك تضحك أحياناً من سخافتها. لكن الأكثر إيلاماً كان حين يتحدث، بأسلوبه الوعيدي، عن مستقبل اليمن، وعن التمزق والانهيار وانفصال الجنوب. كنت أصدقه في تلك اللحظات، وأصدق كلماته المرعبة، لأنني كنت أرى في ملامحه أنه يتحدث عن شيء يريده، لا عن شيء يخشاه علينا. وفي تلك اللحظات، كنت أتوقف لأتأمل المشهد الأغرب: جماهير تصفق له. نعم، تصفق وهو يعترف أمامهم بأنه ارتكب جرماً بحقهم، وأن حكمه لثلاثة عقود قاد البلاد إلى هذا المصير المظلم؛ قطيع يصفق ولا يسأل، ولا يتساءل: كيف وصلنا إلى هذه المحاذير؟ ومن المسؤول عن هذا الذي يتوعدنا به رئيسنا نفسه؟
بعد رحيل صالح، وفي خضم الأحداث، جاء الرئيس رشاد العليمي، القادم من الحزب نفسه، لكنه مختلف تماماً. في أول مرة استمعت إلى خطابه، شعرت بشيء لم أشعر به منذ زمن؛ شعرت أنني أمام رئيس يحترم منصبه، ويحترم وعي من يخاطبهم من نخب وجماهير، ويحترم الكلمة التي يلقيها. خطابه رصين ومحكم، يحمل بين طياته إحساساً عميقاً بالمسؤولية التاريخية. لا يتحدث عن الجنوب وكأنه عدو، ولا عن الشمال وكأنه حصن، ويتعاطى مع القضايا الوطنية كرجل يعرف جيداً تفاصيل هذه الأرض التي يخطو عليها، ويعرف جذور المشكلة وحقيقة الصراع، ويتحدث وكأن كل كلمة يضعها في ميزان التاريخ. والأجمل من ذلك أنه لا يتناقض مع نفسه؛ تجد خطابه اليوم يبني على ما قاله بالأمس، وهذا عندي من علامات الرجل الذي يفكر قبل أن يتكلم.
لكن ما لفت انتباهي أكثر في شخصية هذا الرئيس هو ذلك المشهد الذي عشته شخصياً معه. في لقاء جمعني به في الرياض، فاجأني بالقول: “أنا أقرأ ما تكتبه”، وبدأ يحدثني فعلاً عن جوهر ما أكتبه. لم تكن مجرد إشارة عابرة، بل حديثاً عميقاً يعكس أنه قرأ واستوعب وتحاور مع الأفكار. أدركت في تلك اللحظة أن هذا الرجل، رغم كل انشغالاته الهائلة في قيادة مجلس القيادة الرئاسي، وفي ظل حرب مستعرة ومعاناة إنسانية لا توصف، ما زال يجد الوقت ليقرأ، ويطّلع، ويعرف ماذا يقول الكتّاب والمثقفون والمفكرون في بلده. وهذا يعني، في الحقيقة، أنه يقرأ للعديد من الكتّاب، وأنه يحرص على متابعة ما يُكتب في هذه الظروف الصعبة. وهذا المشهد وحده يكفي ليرسم في خاطري صورة مختلفة تماماً عن الرئاسة في اليمن؛ صورة لقائد يضع الثقافة في قلب عمله، ويؤمن بأن الكتّاب والمثقفين ليسوا ترفاً ولا كماليات، بل شركاء في بناء المستقبل.
اليوم، وأنا أتحدث عن هذين النموذجين، صالح والعليمي، أجد نفسي أمام قصة تناقض تروي فرقاً بين شخصين، وفرقاً بين نموذجين: صالح كان يرى المثقف تهديداً، والعليمي يراه شريكاً؛ صالح كان يخاطب جمهوراً ليستمتع بتصفيقه، والعليمي يخاطب شعباً ليشاركه بناء مستقبله؛ صالح كان يبني خطابه ليمحو ذاكرة ما سبق، والعليمي يبني خطابه ليؤسس لما سيأتي.
هذا الفرق الجوهري يمنحني أملاً حقيقياً بأن اليمن قادر على تجاوز محنته، وأن هناك إمكانية لتغيير المسار متى ما تغيرت ثقافة القائد، ومتى ما أدرك الحاكم أن الكلمة، قبل أي شيء آخر، هي أول سلاح في معركة الوعي والنهضة.
شخصياً، أؤمن بأن السياسة الحقيقية لا تُصنع في غرف مغلقة، بل تُصنع في عقول تستطيع أن تقرأ وترى وتفهم، وأن مستقبل اليمن، مهما تعقدت ظروفه، سيظل مرهوناً بوجود قادة يقرؤون قبل أن يقرروا، ويستمعون قبل أن يأمروا، ويحترمون الكلمة قبل أن يطلبوها من غيرهم.