محاكمة أخلاقية واجتماعية وقانونية لحملة التشهير التي استهدفت الدكتورة رانيا نجيب

الدكتورة رانيا نجيب نموذج للمرأة الحقيقية التي يتقاطع فيها النقاء الأخلاقي الأصيل مع الكفاءة المهنية العالية والنزاهة والذكاء الإداري، يشهد بذلك كل من عمل معها أو اقترب من ميدان عملها وأدرك نقاء سريرتها ورفعة أخلاقها. وأنا متأكدة أنه قريباً سوف يصحو ضمير الكثير ممن وقعوا ضحايا التضليل ويشعروا بالندم العميق ويعتذروا للدكتورة رانيا نجيب بعد أن يدركوا الحقيقة وكيف استطاعت آلة التشويه الرخيصة أن تغيب تلك الصورة المضيئة التي لم نعرف عنها سوى الإخلاص والتفاني في عملها.

كان واضحا أن ما تعرضت له الدكتوره رانيا من حملة تشهير طالت كرامتها وسمعتها وخصوصياتها يعد انعكاساً لأزمة أخلاقية واجتماعية يعاني منها نشطاء وسائل التواصل الاجتماعي حيث تجاوزت الحملة إطار النقد الإداري المباح بحكم موقع عملها داخل مؤسسة سيادية بحجم (مكتب رئاسة الجمهورية) وهو الموقع الذي بحد ذاته يمثل ذروة التحدي للعقلية الإقصائية المتخلفة ، فهذا الموقع ليس مجرد مسمى وظيفي، بل هو ساحة لصناعة القرار في أعلى هرم الدولة ، لذا جاءت حملة التشهير كحرب استباقية لإقصائها وتحطيم هذا النموذج الناجح، محاولين إثبات أن المرأة لا تصلح لمفاصل الدولة السيادية إلا في الأطر الهامشية. 

لقد كان القصد من هذا الاستهداف هو الاغتيال المعنوي لمن تملك الجرأة لكسر الصورة الاجتماعيه النمطية، ولتكون عبرة لكل كفاءة نسائية تطمح للوصول إلى مواقع التأثير الحقيقي، وتحويل ذلك إلى محاكم تفتيش واختلاق الأكاذيب والطعن في الأعراض بهدف تجريدها من كرامتها الإنسانية والمهنية. ممكن أن نلخص مستوى السقوط الذي وقع فيه الكثير في عدة محاور أخلاقية واجتماعية وقانونية كالتالي :-

١- استخدام مفردات الإيحاء الجنسي والرموز المبتذلة (مثل التلميح بعلاقات مشبوهة، ووصف العمل الإداري بأوصاف تحط من العرض والشرف) والذي يعد سقوطاً أخلاقياً مدوياً، يتنافى مع أبسط قواعد الفضيلة الإنسانية التي تجرم القذف والطعن في ذمم الأبرياء دون دليل ، وهو ما يمتد ليطال بالقذف أغلب موظفي مكتب رئاسة الجمهورية. 

٢- استغلال غياب الردع الاخلاقي و القانوني من حيث تمركز معظم المشهرين خارج حدود الوطن (تركيا، مصر، السعودية، الصين أو أماكن غير معلومة) منحهم شعوراً زائفاً بالحصانة المطلقة، مما دفعهم لممارسة التنمر الإلكتروني بجبن فردي يجردهم من مسؤولية قيم الرجولة الحقيقية ومسؤولية الكلمة وأثرها المدمر على الضحية وأسرته والمجتمع. وهؤلاء لا يدركون أن تواجدهم خارج البلد لا يمنع أي متضرر من مقاضاتهم داخل البلد وفقاً للقوانين اليمنية.

٣- ازدواجية المعايير والابتزاز السياسي: وذلك من حيث تحول قضية إدارية بحتة (تسجيل صوتي لموظف يطالب بحقوقه) كان ممكن التأكد من حقيقتها وملابساتها وتحويلها إلى شماعة للابتزاز السياسي وتصفية الحسابات، عبر ترويج الأكاذيب الممنهجة واختلاق قصص وهمية (مثل سيارات مزعومة ورواتب ومشتريات خيالية) بغرض الإثارة وتحقيق مكاسب رخيصة على حساب كرامة الإنسان.

٤- على الصعيد الاجتماعي مثل محتوى العديد من المنشورات نموذجاً صارخاً لآليات عمل العقل الجمعي الذكوري في وسائل التواصل حيث ظهرت ردود فعل هؤلاء كأنها خوف المنظومة التقليدية من فاعلية المرأة وبدأ كأن وصول امرأة إلى موقع قيادي متقدم في مؤسسة سيادية حساسة كمكتب رئاسة الجمهورية يمثل تهديداً للصورة النمطية التي تحصر المرأة في الأدوار الهامشية في المجال العام لذلك كان لابد لهذه العقلية من تحطيم هذا النموذج عبر سلاح التشكيك الأخلاقي لنفي كفاءتها.

٥- تكريس خطاب الكراهية الممنهج عبر حملة عكست بنية تفكير تعتمد على التشويه والإعدام المعنوي مستغلين الجهل الجمعي واستعداد المتابع لتصديق الشائعات والفضائح وهو ما يؤسس لبيئة طاردة للكفاءات الوطنية وخصوصاً النساء ويكرس ثقافة الإرهاب الفكري والاجتماعي خاصة مع استخدام الرموز الدينية والاجتماعية الحساسة في محاولة لإلغاء الآخر وتدمير سمعته.

٦- معظم المنشورات مثلت جرائم جنائية وفقاً للتشريعات الحالية اليمنية كما أن بعض هذه الكتابات لا تقف عند حدود الإساءة الشخصية بل ترتقي إلى مستوى الجرائم الجسيمة والتي منها :- 1- جرائم القذف والسب العلني: حيث توفرت فيما نشر أركان المادتين (291 و292) من قانون الجرائم والعقوبات، نظراً لتعمد المشكو بهم إسناد وقائع موجبة للعقاب وتؤذي الشرف والاعتبار علناً عبر وسيلة نشر واسعة الانتشار (وسائل التواصل الاجتماعي).

٢- إهانة موظف عام: حيث انطبقت أحكام المادة (172) لتعمد الإساءة إلى موظفة عامة بسبب تأدية وظيفتها الرسمية في أعلى سلطة في الدولة.

٣- مخالفة قانون الصحافة والمطبوعات الذي هو الإطار القانوني المعتمد حالياً للمقاضاة في الجرائم الإلكترونية عبر وسائل التواصل، حيث تجرد المشكو بهم من إعلاميين ونشطاء من أدنى معايير المهنية والمسؤولية الاجتماعية، واستخدموا أقلامهم ومنصاتهم كأدوات للابتزاز والتشهير، متجاوزين حرية التعبير والحق في النقد إلى الجريمة المنظمة. وعليه فإن ما جرى بحق الدكتورة رانيا نجيب ليس نقداً لإدارة دولة، بل هو محاكمة ميدانية تنطوي على اغتيال معنوي كامل، تستوجب وقفة جادة من كافة القوى الحية والمؤسسات القضائية لردع هؤلاء المتورطين، وحماية الفضاء العام من تحوله إلى غابة تسودها شريعة التشهير والابتزاز الرخيص.

أخيراً: علينا أن ندرك أن الأوطان لا تبنى بتهديم النفوس، أو على أشلاء كرامة الأبرياء، فالإنسان وكرامته هما الغاية والأساس. إن من ينجر خلف أوهام الحقد والكذب لا يسيء لغيره فحسب، بل يرتكب أبشع جريمة بحق روحه وطهارتها وهو ما يحتاج إلى وقفة حقيقية مع الذات من أجل التعافي من ظلمة هذه الأخطاء لعلكم تستعيدون الاتزان والبصيرة الغائبة وتذكروا جیداً أن شرف الإنسان خط أحمر، وأن حقوق العباد لا تمحوها الأيام ولا تسقط بالتقادم، وأن الله يمهل ولا يهمل.

 

مقالات أخرى