المسيّرات الحكومية ترسم قواعد اشتباك جديدة مع الحوثيين.. هل تغيّر ميزان المواجهة في اليمن؟

قضايا ساخنة 30 أغسطس 2026 - 12:50 م المصدر: تعز تايم - غرفة الأخبار
 المسيّرات الحكومية ترسم قواعد اشتباك جديدة مع الحوثيين.. هل تغيّر ميزان المواجهة في اليمن؟

لم تعد المواجهة بين الحكومة اليمنية المعترف بها دوليا ومليشيا الحوثي المدعومة من إيران تسير وفق المعادلة العسكرية التي استقرت عليها خطوط التماس منذ هدنة 2022، إذ تكشف التطورات الميدانية الأخيرة عن تحول لافت في أداء القوات الحكومية، وانتقال تدريجي من الدفاع واحتواء الهجمات إلى الرد المباشر والضربات الاستباقية.

ويبرز سلاح الطيران المسيّر بوصفه أحد أهم ملامح هذا التحول، بعدما انتقل استخدامه من مهام الاستطلاع والرصد إلى تنفيذ عمليات قتالية تستهدف تجمعات وثكنات ومراكز قيادة وإمداد تابعة للمليشيا في عدد من الجبهات.

75 هجوما حوثيا خلال ستة أسابيع

خلال الأسابيع الستة الماضية، شهدت جبهات القتال والممرات البحرية تصعيدا متسارعا، تزامن مع تكثيف المليشيا هجماتها بالصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة.

وبحسب معطيات عسكرية ومراكز رصد، نفذت المليشيا أكثر من 75 هجوما بالصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة المفخخة، شملت موجات من الهجمات على ميناء المخا ومدينة الخوخة، إلى جانب استهداف معسكرات في مأرب والعبر، وهجمات طالت سفنا تجارية وأدت إلى مقتل أربعة بحارة على الأقل.

وفي المقابل، نفذت القوات المسلحة اليمنية وتشكيلات المقاومة الوطنية وألوية العمالقة أكثر من 500 عملية قتالية ودفاعية وهجومية، تركزت على مواقع وتجمعات ومراكز قيادة وسيطرة للمليشيا في الحديدة ومأرب وتعز والضالع والبيضاء.

المسيّرات تدخل قلب المعركة

ولا تكمن أهمية التطور الأخير في عدد العمليات فحسب، بل في طبيعة الأسلحة والتكتيكات المستخدمة، إذ منح دخول الطائرات المسيّرة الهجومية القوات الحكومية قدرة أكبر على الوصول إلى أهداف خلف خطوط التماس واستهدافها دون الاضطرار إلى شن عمليات برية واسعة.

وتشير معلومات من مصادر يمنية إلى تشكيل لواءين متخصصين بالطيران المسيّر تابعين للقوات المسلحة، في خطوة تعكس اتجاها نحو تحويل هذا السلاح إلى أحد المكونات الرئيسية في منظومة الردع والعمليات الهجومية.

وخلال الأيام الماضية، وثقت مشاهد عسكرية عمليات استهداف لثكنات وتجمعات وعربات إمداد وخنادق تابعة للمليشيا في جبهات مأرب والجوف والبيضاء والساحل الغربي والضالع والمناطق المحررة من محافظة حجة.

ويعني ذلك أن خطوط التماس لم تعد وحدها ساحة المواجهة، إذ أصبحت التحركات ومراكز الإمداد الواقعة خلف الجبهات عرضة للرصد والاستهداف الجوي.

معركة أخرى في البحر

ويكتسب التحول أهمية مضاعفة في الساحل الغربي، حيث تتداخل المواجهات البرية مع الصراع على أمن البحر الأحمر وباب المندب.

وتمكنت القوات الحكومية خلال التصعيد الأخير من إسقاط طائرات استطلاع تابعة للمليشيا، قالت مصادر عسكرية إنها كانت تستخدم لرصد التحركات البحرية والتمهيد لهجمات بالزوارق المفخخة.

وهنا تتجاوز المسيّرات دورها في إسناد القوات البرية لتصبح جزءا من منظومة أوسع تسعى إلى تعطيل قدرة المليشيا على مراقبة المياه اليمنية وتهديد السفن والموانئ.

هل تستطيع الحكومة توحيد قوتها؟

لكن تطور القدرات العسكرية لا يعني تلقائيا الاستعداد لخوض حرب شاملة، إذ يظل تعدد التشكيلات ومراكز القيادة أحد أبرز التحديات أمام القوات المناهضة للمليشيا.

وتتوزع القوات بين الجيش النظامي والتشكيلات المنتشرة في الساحل الغربي، إلى جانب قوات درع الوطن وألوية العمالقة والقوات العاملة في محاور تعز والتشكيلات الجنوبية المنتشرة في جبهات لحج والضالع وشبوة.

ويمنح هذا الانتشار الحكومة قدرة على ممارسة الضغط على المليشيا عبر جبهات متعددة، لكنه يضع التنسيق العسكري أمام اختبار حقيقي: هل يمكن تحويل هذه القوة المتعددة إلى خطة عمليات موحدة إذا انتقلت المواجهة من الضربات المحدودة إلى حرب مفتوحة؟

فالعمليات البرية واسعة النطاق تحتاج إلى قيادة وسيطرة موحدتين، وتنسيق سياسي وعسكري مرتفع، إلى جانب إمكانات لوجستية واقتصادية قادرة على إسناد معركة طويلة.

الردع بدلا من الحرب المفتوحة

حتى الآن، يبدو أن أولوية الحكومة تتمثل في الردع المحسوب بدلا من الانجرار إلى مواجهة برية شاملة.

وتقوم هذه المقاربة على ضرب مصادر التهديد بالصواريخ والمدفعية والطائرات المسيّرة، وعدم ترك الهجمات دون رد، مع الاحتفاظ بحالة الجاهزية وتجنب فتح معارك برية واسعة للسيطرة على مناطق جديدة.

وتتيح هذه الاستراتيجية رفع كلفة الهجمات على المليشيا، وفي الوقت ذاته إبقاء مساحة أمام التحركات السياسية والدبلوماسية، من دون الدخول في حرب قد تكون تداعياتها الإنسانية والاقتصادية كبيرة.

الحديدة قد تغيّر الحسابات

غير أن استمرار الهجمات على الملاحة والموانئ قد يدفع المواجهة في اتجاه مختلف، خصوصا إذا تحول تهديد السفن في جنوب البحر الأحمر إلى حالة دائمة.

وفي هذه الحالة قد يصبح الساحل الغربي، وتحديدا الحديدة، محور أي تحول عسكري كبير، بهدف إنهاء قدرة المليشيا على استخدام الساحل منصة لإطلاق الهجمات وتهديد الملاحة الدولية.

وأظهرت الهجمات على ميناء المخا حجم الكلفة المحتملة لهذا التصعيد، بعدما أدت إلى توقف نشاط الميناء وإلحاق أضرار واسعة بمنشآته ومعداته، فضلا عن انعكاس توقفه على آلاف الأسر المرتبطة أعمالها بالنشاط التجاري والبحري.

إلى أين تتجه المواجهة؟

اقتصاديا وإنسانيا، لا يمتلك اليمن هامشا كبيرا لتحمل جولة جديدة من الحرب الشاملة. فأي توسع للعمليات العسكرية قد يؤدي إلى موجات نزوح جديدة، وإغلاق الطرق والممرات الحيوية، وتضرر الموانئ والمنشآت التجارية، وزيادة الضغوط على الاقتصاد في مناطق الحكومة.

لكن التطور الأبرز الذي فرضته الأسابيع الأخيرة يتمثل في تغير طبيعة الرد الحكومي نفسه؛ فالمسيّرات والضربات الدقيقة منحت القوات الحكومية أدوات لم تكن حاضرة بهذا الزخم خلال السنوات الماضية، ووسعت نطاق الاستهداف من خطوط المواجهة إلى عمق مناطق التحرك والإمداد.

وبين تصعيد المليشيا ومحاولات الحكومة بناء معادلة ردع جديدة، تبدو الأسابيع المقبلة حاسمة للإجابة عن السؤال الأهم: هل تنجح المسيّرات والضربات الاستباقية في تثبيت ميزان عسكري جديد، أم أنها تمهد لجولة هي الأوسع منذ هدنة 2022؟

أخبار ذات صلة