اليمن وسط كماشة الممرات البحرية.. اضطرابات الملاحة والقرصنة تضاعف كلفة الشحن

قضايا ساخنة 7 سبتمبر 2026 - 8:47 ص المصدر: تعز تايم - العربي الجديد
اليمن وسط كماشة الممرات البحرية.. اضطرابات الملاحة والقرصنة تضاعف كلفة الشحن

تتضاعف الضغوط الاقتصادية والأمنية على اليمن مع اتساع دائرة الاضطرابات في الممرات البحرية المحيطة به، من البحر الأحمر وباب المندب إلى خليج عدن والبحر العربي، بالتزامن مع تعطل حركة الملاحة في مضيق هرمز وعودة نشاط القرصنة قبالة السواحل الصومالية.

وأدت المخاطر المتزايدة إلى تحويل شركات شحن سفنها نحو طريق رأس الرجاء الصالح، ما أطال زمن الرحلات ورفع استهلاك الوقود وتكاليف التأمين، وانعكس بصورة مباشرة على كلفة نقل السلع إلى الموانئ اليمنية.

وبحسب تقديرات ملاحية محلية، ارتفعت أسعار الشحن على بعض الخطوط المتجهة إلى اليمن إلى نحو ثلاثة أضعاف مستوياتها السابقة، مع إضافة رسوم مرتبطة بالمخاطر والتأمين والتأخير والتخزين في موانئ إعادة الشحن، وهي تكاليف يتحملها المستورد قبل انتقالها تدريجيا إلى أسعار السلع في السوق المحلية.

تهديدات تتسع من باب المندب إلى خليج عدن

لم تعد المخاطر البحرية المحيطة باليمن مرتبطة بجبهة واحدة، إذ تضاف إلى هجمات مليشيا الحوثي على السفن والموانئ عودة نشاط القرصنة والسطو المسلح في خليج عدن والمياه المحيطة بالصومال، ما يضع حركة الإمدادات أمام نطاق أوسع من التهديدات.

وأعلنت المنظمة البحرية الدولية، في 24 أغسطس الماضي، عودة القرصنة بوصفها تهديدا في خليج عدن والمياه المحيطة به، عقب اختطاف ناقلة المنتجات النفطية «سي مول» في 20 أغسطس واقتيادها باتجاه السواحل الصومالية.

وسبق ذلك استيلاء مسلحين يشتبه في أنهم قراصنة، في 17 يوليو الماضي، على ناقلة المواد الكيميائية «أسانا» قبالة السواحل اليمنية، واقتيادها باتجاه منطقة بونتلاند الصومالية.

وتشير تقديرات أمنية وملاحية إلى تسجيل عشرات الحوادث والمحاولات المرتبطة بالقرصنة والسطو المسلح منذ بداية العام، في مؤشر على عودة التهديد إلى خليج عدن وحوض الصومال وغربي المحيط الهندي بعد سنوات من تراجعه.

اليمن يتحرك لبناء مظلة للأمن البحري

أمام هذه التطورات، اتجهت الحكومة اليمنية إلى تسريع استكمال تشكيل اللجنة الوطنية للأمن البحري وتفعيل دور الهيئة العامة للشؤون البحرية، ضمن مساع لتوحيد عمل الجهات المكلفة بمراقبة السواحل وتأمين السفن والموانئ.

وتشمل التهديدات التي تسعى الحكومة إلى مواجهتها، إلى جانب الهجمات والقرصنة، عمليات تهريب الأسلحة والمخدرات والصيد الجائر والتلوث البحري والجرائم المرتبطة بالممرات البحرية.

وأكد وزير النقل محسن حيدرة العمري أهمية استكمال تشكيل اللجنة الوطنية للأمن البحري باعتبارها إطارا مؤسسيا يجمع الجهات الحكومية والعسكرية والأمنية المعنية بمواجهة المخاطر البحرية.

ومن المنتظر أن تتولى اللجنة إعداد استراتيجية وطنية للأمن البحري تقوم على حماية السواحل والموانئ والسفن من جهة، ودعم الاقتصاد البحري والثروة السمكية والاستثمارات المرتبطة بالبحر من جهة أخرى.

كما تشمل مهامها تحديث التشريعات، وتعزيز تبادل المعلومات، ورفع مستوى التنسيق بين القوات البحرية وخفر السواحل والموانئ والهيئة العامة للشؤون البحرية والجمارك والوزارات المعنية.

المخا في قلب التهديد

وتسارعت التحركات الحكومية عقب الهجمات التي تعرض لها ميناء المخا ومحيطه خلال أغسطس الماضي بالصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة.

وتسببت إحدى موجات الهجمات في سقوط قتلى وجرحى، بينما أعلنت القوات الحكومية اعتراض عدد من الطائرات المسيرة، قبل أن تتعرض منشآت الميناء والرصيف البحري والمخازن والمرافق الإدارية والمعدات لهجمات أخرى.

وألحقت الضربات أضرارا بالبنية التحتية للميناء وأثرت في نشاطه، كما طال الاستهداف حفارا كان يعمل على تعميق القناة الملاحية، ما أضاف تحديا جديدا إلى جهود إعادة تشغيل وتطوير الميناء.

ويرى الباحث الاقتصادي والمدير التنفيذي لمركز تعز للدراسات اليمنية والخليجية وفيق صالح أن التطورات تفرض على اليمن إعادة رسم استراتيجيته للأمن البحري، بحيث تشمل حماية خطوط الملاحة والسفن وقوارب الصيد وحركة الشحن التجاري والموانئ ومخازنها.

وبحسب صالح، فإن اللجنة الوطنية يمكن أن تكون مدخلا لبناء تعاون أوسع مع دول المنطقة والشركاء الدوليين والقوات البحرية المشتركة لتأمين خليج عدن والبحر الأحمر والممرات الدولية.

لكن اللجنة، وفق صالح، ستواجه تحديات كبيرة، في مقدمتها التصعيد العسكري للمليشيا، ونقص الإمكانات الفنية واللوجستية لمراقبة الشريط الساحلي اليمني، إضافة إلى تعدد المؤسسات والقوات المعنية بالأمن البحري.

فاتورة تصل إلى المستهلك

اقتصاديا، يمثل تغيير مسارات السفن أحد أكبر التحديات أمام اليمن، الذي يعتمد بدرجة كبيرة على الواردات لتغطية احتياجاته من السلع الأساسية.

ويعني الالتفاف حول رأس الرجاء الصالح رحلات أطول واستهلاكا أكبر للوقود وانخفاض عدد السفن المتاحة للعمل على الخطوط البحرية، بالتزامن مع ارتفاع أقساط التأمين ضد مخاطر الحرب بالنسبة إلى السفن التي تقترب من مناطق التوتر.

وخلال يوليو الماضي، ارتفعت كلفة التأمين ضد مخاطر الحرب على السفن العابرة لجنوب البحر الأحمر إلى أكثر من 1% من قيمة السفينة، مقارنة بنحو 0.3% قبل تجدد الهجمات، ووصلت في بعض الحالات إلى 3%.

ولا تتوقف الفاتورة عند أجور الشحن، إذ يتحمل المستورد أيضا تكاليف التأمين والمخاطر والتأخير والتخزين وإعادة الشحن، لتصل هذه الزيادات في النهاية إلى المستهلك اليمني عبر ارتفاع أسعار المواد المستوردة.

سفن صغيرة لمواجهة أزمة كبيرة

ويطرح خبراء ملاحيون اللجوء إلى خطوط نقل أكثر مرونة باعتباره أحد الحلول الممكنة لتقليل أثر الأزمة.

ويرى الخبير الملاحي سامي شمسان أن تشغيل سفن صغيرة بحمولة تتراوح بين 800 وألف طن، وقادرة على استيعاب نحو 50 حاوية، يمكن أن يوفر خيارات إضافية لنقل البضائع بدلا من الاعتماد الكامل على سفن الحاويات العملاقة.

ويشير إلى إمكانية استخدام هذه السفن لنقل البضائع من جيبوتي إلى الموانئ اليمنية، وتوسيع الخطوط مستقبلا لربط اليمن بموانئ في الهند ومصر ودول أخرى.

ولا يمثل هذا الخيار بديلا كاملا لخطوط الشحن الدولية، لكنه قد يساهم في نقل الحاويات العالقة وتقليل فترات الانتظار وتوفير بدائل للمستوردين في أوقات الأزمات.

أمن باب المندب يبدأ من اليمن

تضع الجغرافيا اليمن في قلب معادلة الأمن البحري الإقليمي، إذ يمتد ساحله على البحر الأحمر وخليج عدن، ويشرف على الضفة الشرقية لمضيق باب المندب، أحد أبرز الممرات التي تربط التجارة بين آسيا وأوروبا.

وتؤكد الحكومة أن أي ترتيبات إقليمية لحماية البحر الأحمر وباب المندب ستظل منقوصة دون مشاركة يمنية فاعلة، خصوصا مع تداخل مخاطر القرصنة والتهريب والهجمات المسلحة والجريمة المنظمة.

ويستند جانب من التعاون الإقليمي إلى «مدونة جيبوتي لقواعد السلوك» التي أقرت عام 2009 لمكافحة القرصنة والسطو المسلح، ثم توسعت عبر تعديل جدة عام 2017 لتشمل تهديدات وجرائم بحرية أخرى.

كما تستضيف عدن المركز الإقليمي لتبادل المعلومات البحرية، المعني بجمع وتحليل وتبادل المعلومات المتعلقة بالتهديدات البحرية وتعزيز الوعي بحركة الملاحة.

ومع اتساع نطاق المخاطر، يجد اليمن نفسه أمام معادلة شديدة الكلفة؛ فكل سفينة تضطر إلى تغيير مسارها تعني زيادة في كلفة السلع، وكل حادث قرصنة أو هجوم جديد يرفع أقساط التأمين، فيما تتطلب حماية أكثر من ممر بحري في وقت واحد إمكانات أمنية وفنية وتمويلا وتنسيقا إقليميا ودوليا لا تزال الحكومة تسعى إلى توفيرها.

أخبار ذات صلة