ليلة سقوط المخا.. شهادة لصحفي عاش ساعات الانهيار والانسحاب ومغادرة طارق صالح قبل الجميع

يحيى السواري - صحفي في قناة الجمهورية
ليلة الاربعا 9 سبتمبر في الساعة التاسعة ابلغتني إدارة قناة الجمهورية (تحرك إلى عدن فوراً)، بعد ساعات كان طاقم القناة بالكامل في طريقهم إلى عدن، سألت ماذا حدث؟ فقال المدير أن الأوضاع سائت في الجبهة. كان لدي سؤال واحد (هل ستحدث معركة في المخا؟) لكن الإدارة لم يكن لديها إجابة أكثر من “ربما”، وكانت “ربما” كافية بالنسبة لي لاقرر البقاء، ورغم إلحاح الإدارة وكل الزملاء إلا أنني رفضت المغادرة وبقيت لوحدي في المخا.
كنت متأكد أن هناك ملحمة ستحدث للدفاع عن مدينة المخا، لم استطع مقاومة رغبتي بعيش هذه اللحظة التاريخية وتوثيقها ونقلها للعالم كاثبات على إيمان اليمنيين بقضيتهم، ظننت ان هذه المعركة هي التي ستوحد الشعب وتشرح للعالم الحقيقة، تخيلت حصار السبعين في صنعاء ومعركة ترموبيل في اسبرطة.
كنت متأكد ان القائد طارق صالح لا يمكن ان يهرب حتى لو قاتل وحيداً، دوافع الرجل لقتال السلاليين لا يمتلكها قائد غيره في اليمن، واشهد بنفسي انه مخلص جداً للقضية اليمنية واستعادة الجمهورية. كان يرتدي نظارة سوداء عندما التقيت به في 1 سبتمبر، لم يكن يعلم أنني أعلم بأن النظارة لاخفاء آثار السهر في عينيه، أحد المقربين منه أخبرني قبلها بفترة أن المرافقين أخذوا كل أجهزة الاتصال منه بالقوة ليجبروه على النوم بعد أربعة أيام من السهر، كان يقضي كل الوقت في متابعة المعركة والتواصل برجاله في الجبهات.
لم أؤمن بقائد كما آمنت بطارق، كنت مستعد للموت تحت قيادته، وأجزم أن الكثير من رجاله سيفعلون، لكن القائد اختفى في اللحظة التي كان يجب أن يظهر فيها، فتحول اليقين كله إلى استغراب.
في الساعة 12 منتصف الليل خرجت من السكن فوجدت الآليات العسكرية منتشرة في كل مكان، أما الشوارع الرئيسية فكانت تموج بالمقاتلين، الحركة سريعة جداً وكل رجل يبدو كأنه ينجز أمر مستعجل، هنا تأكدت أن المعركة حتمية فكتبت المنشور الذي بشّرت فيه بملحمة وطنية.
قضيت الساعات التالية بانتظار ربطي بأحد العسكريين لابدأ بالتنسيق من اجل تغطية الاحداث، لكن الأستاذ محمد عايش مدير القناة لم يكن لديه سوى محاولات اقناعي بالمغادرة والمزيد من الاخبار السيئة، فحتى هو انقطع تواصله مع كل القيادات العسكرية.
وعند الساعة الرابعة فجراً اختفت المدرعات والمقاتلين، وعلمت انه حتى رجال الأمن اختفوا وخرج المساجين من إدارة الأمن. يا لغبائي.. تلك الحركة السريعة للجنود والآليات لم تكن استعداداً للمعركة بل للمغادرة.
هنا اقتنعت بالمغادرة لكن الوقت كان قد فات، فلم يتبقى في المخا أي وسيلة مواصلات يمكن استئجارها، وبعد ساعة ونصف من محاولة البحث هاتفياً قررت الخروج بنفسي، فوجدت في الشوارع ان عدد البشر الذين يبحثون عن وسيلة مواصلات لعدن اكثر من عدد السيارات، كل من يمتلك مركبة تعمل وبغض النظر عن نوعها وما تزال في المخا رفض في ذلك اليوم مئات العروض السخية مقابل الذهاب إلى عدن.
عدت إلى السكن لابلغ الإدارة بالأمر وآملاً أنهم قد وجدوا لي وسيلة، لكن للأسف لم يجدوا أي حل. عند الساعة السابعة صباحاً سقطت بعض القذائف وسط المدينة وعلى المستشفى السعودي وبدأت اسمع بعض طلقات الرصاص في أطراف المدينة، فقررت الخروج من السكن مرة أخرى للبحث، ولمحت من بعيد باص واقف أمام أحد المنازل فخطرت لي فكرة التمادي اكثر وبدلاً من إيقاف السيارات في الشارع سوف اطرق البيوت.
كان هناك سيارة بجوار الباص، اهتمامي كان منصباً على الباص، طرقت الباب اكثر من مرة، فخرج الرجل (بفنيلة علاقي) ومعوز وملامح النهوض من النوم.
- أنا اسف على الازعاج.. هذا الباص حقك؟
- ولا يهمك.. ايوة حقي
- المسألة حياة او موت.. احتاج توصلني إلى عدن بالمبلغ الذي تشتيه
كان الرجل متفهماً ومتضامناً معي لكنه خاف ان يذهب وتقطع الطرق وتبقى اسرته وحيدة، حاولت إقناعه أن نأخذ اسرته معنا (طلع متزوج ثنتين). وأمام خيبة أملي حاول التواصل باصدقائه أصحاب الباصات لكن لا احد يجيب، خرج معي حافياً ليسأل جاره لكن جاره كان له نفس المخاوف (ان تترك اسرته وحيدة) فاعتذرت منه وشكرته وعدت إلى السكن يائساً واتخيل السيناريوهات التي يمكن ان تحدث.
في الساعة الثامنة سمعت اطلاق النار على بعد شارعين مني، كانت الطلقات تمشي فوق المنازل واسمع ازيزها، غرق جسمي بالادريانالين وليس أمامي شيء لافرغه فيه، لا امتلك حتى مسدس اتجنب به الوقوع في الاسر، فعدت لا ارادياً لبيت ذلك الرجل، ربما تضامنه معي هو ما قادني إلى بيته مجدداً، طرقت الباب وخرج بسرعة هذه المرة، ولم اقل له أي شيء غير (خبيني). ارتبك قليلاً وقال كلمات غير مرتبة، فقلت له (انا معرفش حد هانا).. وقبل ان يجيب صدر صوت امرأة خافت وجاد من إحدا نوافذ البيت تقول: (انديلو هي) كررتها ثلاث مرات بصيغ مختلفة.
كانت هذه هي زوجته الطيبة تقول له ان يعطيني سيارتها الواقفة بجوار الباص لأذهب بنفسي إلى عدن. انا لم افهم ماذا تقصد في البداية، لكن صوتها اخرج زوجها من حالة التوتر والاتباك فقال لي: لحظة.
دخل إلى البيت واعطاني المفتاح واخذ رقمي واخذت رقمه، ونبهني ان السيارة ليس فيها بترول ويجب ان اجد أقرب محطة في الطريق، وانطلقت بالسيارة وانا مصعوق.
من سيعطي سيارته لشخص لا يعرفه؟ او بالاصح لماذا؟ هم لا يعرفون من أنا على الاطلاق، لكنهم على ما يبدو يعرفون من هي المليشيا، فتسائلت يا ترى أي مجدٍ أضاعه طارق حين تخلى عن الدفاع عن هاؤلاء؟ الشعب والمقاتلين على استعداد لتقديم كل ما يملكون في سبيل معركة الخلاص، لكن القادة يمنعون المعركة عن الشعب.
أما الطريق فهي قصة أخرى، عشرات آلاف البشر وآلاف المركبات والآليات العسكرية، شاهدت اسرة من خمسة اشخاص على دراجة نارية، وأسر أخرى تقطع الطريق مشياً، كانت مدينة تسافر على الاقدام، مجتمع متكامل يهاجر، الجنود وآلياتهم يشعلون التساؤلات في عقلك: ما شكل القوة العسكرية التي هزمت كل هاؤلاء؟! ولماذا اخافهم الحصار لهذه الدرجة؟! لو قاموا برص آلياتهم ومركباتهم العسكرية حول المدينة كمتارس لصمدوا عدة أشهر.
سألت الكثير منهم ماذا حدث؟ لكن لا احد يعلم، لا احد منهم على تواصل بقيادته، الجميع يقول: (شاهدنا الجميع ينسحبون فانسحبنا..) يا الله ما هذا الإنهيار؟! كان مشهداً لا يكرره التاريخ مرتين.
اخيراً
انا لست خبيراً عسكرياً لتقييم جدوى خوض معركة للدفاع عن مدينة صغيرة ومكشوفة، ربما لدى العسكر أسباب منطقية تجعل تسليم المدينة خيار افضل. لكنني استطيع تقييم أي معركة من وجهة نظر التاريخ والقضية اليمنية وشعبها.
لا اعرف اين القائد طارق الآن ولا اعرف ما هي أسبابه، ربما يتغير رأيي لو عرفت، لكنني متأكد ان ما سيحدث لسكان المخا في ما لو وقعت المعركة أهون من الذي سيحدث لهم تحت سلطة السلاليين، ومتأكد ان جنود المقاومة الوطنية لن يحدث لهم اسوء من ما يحدث الآن، ومتأكد أن الموت أهون من ما يشعر به طارق الآن.
هو لا يمكن ان يكون خائناً، او جباناً، وليس غبياً، هو فقط لم يثق بنفسه، وتردد كثيراً ما بين البجرة والبقرة، لا قدّم التزامات هذه ولا تطمينات تلك.
كلمة يجب أن تقال
بحسب ما رأيت بنفسي، كانت جثث الشهداء تملأ ساحة المستشفى في المخا من كل الوحدات (مقاومة، عمالقة، والدرع). وفي آخر أربعة أيام قبل الانهيار وبحسب شهادة احد الممرضين في المستشفى السعودي كان يصل من جبهات ريف تعز ما بين 30 إلى 40 جريح يومياً. وبحسب شهادة أحد الجرحى فالمليشيا كانت تدفع مقاتليها للموت المحقق بهدف استنزاف مخازن الذخيرة، وعندما سألوه (انت كم ارديت منهم؟) انهار باكياً ومردداً.. أطفال أطفال.
يجب تكريم هاؤلاء الجنود لا اهانتهم، ويجب الاستفادة من خبرتهم في تلك المعارك لا الاستغناء عنهم.
هذه قصتي أنا
أما أسباب الانهيار فسوف اشرحها في منشور لاحق
يقول البردوني
مُذْ بدأنا الشَّوطَ جَوْهَرنا الحَصى بالدَّمِ الغالي وفَردَسنا الرّمالْ وإلى أينَ؟ عَرفْنا المُبتدا والمسافاتُ، كما ندري طوالْ