أين يقف الصحفي في زمن «حرب العواجل»؟

ظهرت في الآونة الأخيرة ما يمكن تسميتها بـ«حرب العواجل» في وسائل التواصل الاجتماعي، لتنتج كماً من الأنباء والأخبار المتضاربة والمشوَّشة، والشائعات المربكة للرأي العام المتابع لهذه الوسائل.

وكما هو معلوم، في زمن وسائل التواصل الاجتماعي، لم يعد الخبر حكراً على الصحفي؛ فكل شخص يحمل هاتفاً يستطيع أن يصور وينشر ويطلق «عاجلاً» قد يصل إلى آلاف الأشخاص خلال دقائق.

لكن هنا تحديداً تظهر قيمة الصحفي الحقيقي؛ الذي يغربل ويتفحص ويتأكد، ثم ينشر، وليس من يسابق العامة في «حرب العواجل» بحثاً عن الإعجابات والمتابعات.

فالصحفي اليوم ليس من يصل إلى الخبر أولاً، بل من يتحقق منه أولاً، خصوصاً في بلد يعيش ظروفاً صعبة ومواجهات مسلحة، تصبح معها مسؤولية الصحفي أكبر في التمييز بين الحقيقة والرواية، وبين المعلومة والشائعة، وأن يسأل دائماً: من المصدر؟ أين ومتى وقع الحدث؟ وما الدليل؟ وهل يمكن التحقق منه بشكل مستقل؟ مع الاستفادة من أدوات التحقق المتعددة.

أن تتأخر دقائق عن الآخرين أفضل من أن تنشر معلومة خاطئة، ثم تكتشف أنك ساهمت في تضليل الناس أو تأجيج الصراع.

دور الصحفي اليوم ليس منافسة المواطن في سرعة النشر، وإنما تقديم المعلومة الموثوقة، والتحقق منها، ووضعها في سياقها وتفسيرها.

ففي زمن يستطيع فيه الجميع النشر، تصبح قيمة الصحفي في أن يعرف متى ينشر، وماذا ينشر، ومتى يقول بكل مهنية: «لم نتمكن من التحقق». فالثقة لا تُبنى بكثرة العواجل، وإنما بتراكم الدقة والصدق والمسؤولية.

كما أن الصحفي ناقل للأحداث والحقائق، وليس صانعاً لها أو مسؤولاً عن تداعياتها، حتى يتحول إلى هدف للتحريض أو الهجوم بسبب نقله أخباراً أو معلومات لا ترضي هذا الطرف أو ذاك.

ندرك أن العمل الصحفي في بلادنا، وخصوصاً الصحافة المهنية والمحترمة، محاط بالمخاطر والاستهداف، في واقع شعاره الأول: إن لم تكن معي فأنت ضدي، وإن لم يتوافق ما تنشره مع موقفي فأنت مع خصمي.

لكن على الصحفيين تحدي هذا الواقع بالمهنية، وغربلة المعلومات وفحصها قبل النشر، ليكونوا مصدراً للثقة لدى الجمهور، ويساهموا في التمييز بين الغث والسمين فيما يُنشر عبر وسائل التواصل الاجتماعي.