من رد الفعل إلى المبادرة.. كيف غيّر الجيش قواعد المواجهة ضد مليشيا الحوثي في اليمن؟

دخلت المواجهة العسكرية في اليمن مرحلة مختلفة، مع انتقال القيادة السياسية والعسكرية من سياسة احتواء التصعيد والرد على الهجمات إلى تبني نهج أكثر هجومية يقوم على توسيع عمليات الردع واستهداف مصادر التهديد والمبادرة إلى ضرب تحركات وتعزيزات مليشيا الحوثي على امتداد جبهات القتال.
وبدأت ملامح هذا التحول تتضح عقب موجة التصعيد التي شهدها اليمن منذ السادس من أغسطس الجاري، عندما شنت المليشيا هجمات بالصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة على أهداف عسكرية ومدنية في محافظات عدة، أبرزها مأرب وحضرموت، قبل أن تمتد الهجمات إلى الساحل الغربي وجبهات تعز والضالع وشبوة، مخلفة قتلى وجرحى وأضراراً في منشآت وأعيان مدنية.
لكن الرد الحكومي هذه المرة بدا مختلفاً عن جولات التصعيد السابقة.
فبدلاً من الاكتفاء بصد الهجمات والتعامل معها ميدانياً، وجّه مجلس الدفاع الوطني بتوسيع عمليات الردع الجوي والصاروخي ضد مصادر التهديد، وإبقاء حالة الجاهزية العسكرية والأمنية عند أعلى مستوياتها في مختلف الجبهات.
كما شملت التوجيهات تعزيز منظومة الإنذار المبكر وحماية المنشآت الحيوية والسيادية والأعيان المدنية، وتكثيف النشاط الاستخباري والأمني لملاحقة الخلايا وشبكات التهريب والإمداد والدعم المرتبطة بالمليشيا، وربط هذه الجهود بمسار قضائي سريع.
مئات العمليات خلال أيام
سرعان ما انتقلت توجيهات القيادة السياسية من القرارات إلى الميدان.
وأعلن المتحدث باسم القوات المسلحة، العقيد ماجد النزيلي، تنفيذ 133 عملية عسكرية ضد قدرات وعناصر المليشيا خلال 24 ساعة، باستخدام الطيران المسيّر والمدفعية والراجمات، وبمشاركة وحدات الجيش المتمركزة على خطوط التماس.
وسبق ذلك إعلان القوات المسلحة تنفيذ 181 عملية خلال 24 ساعة، قالت إنها أسفرت عن سقوط عشرات العناصر بين قتيل وجريح، وتدمير معدات وآليات ومخازن أسلحة ووسائل قتالية.
ولم تتركز العمليات في جبهة واحدة، بل امتدت إلى قطاعات واسعة من خطوط التماس في تعز ومأرب والجوف وطور الباحة والضالع والحديدة وأبين، في مؤشر على أن التحرك لا يتعلق برد موضعي على هجوم بعينه، وإنما بمحاولة فرض إيقاع عسكري جديد على امتداد مسرح العمليات.
ويكتسب هذا التوسع أهميته من الرسالة التي رافقته، إذ أكدت القوات المسلحة امتلاكها القدرة على “المبادرة وفرض المعادلة الميدانية”، وهي عبارة تعكس بصورة مباشرة التحول الجاري في فلسفة التعامل مع التصعيد.
الرئاسة تنتقل إلى الفعل
طوال السنوات الماضية، فرضت المليشيا في كثير من الأحيان توقيت التصعيد ومكانه، فيما تحركت القوات الحكومية غالباً في إطار الدفاع واحتواء الهجمات.
أما التطورات الأخيرة فتشير إلى محاولة لقلب هذه المعادلة، بحيث لا تنتظر القوات الحكومية الهجوم قبل التحرك، وإنما تستهدف مصادر النيران والتحشيدات والتعزيزات وخطوط الإمداد قبل وصولها إلى خطوط المواجهة.
ويظهر هذا التحول بصورة أكبر في الاستخدام المكثف للطيران المسيّر، الذي بات حاضراً في العمليات الحكومية إلى جانب المدفعية والراجمات.
وتسمح هذه القدرات باستهداف التحركات والتجمعات والآليات ومواقع الإطلاق، بما يرفع كلفة التحشيد على المليشيا ويحد من قدرتها على نقل قواتها واختيار مكان وزمان الهجوم.
ويرى خبراء عسكريون أن توجيهات مجلس الدفاع الوطني تمثل انتقالاً “من مرحلة ردة الفعل المحدودة والمحسوبة إلى محاولة استعادة زمام المبادرة”، معتبراً استخدام المسيّرات جزءاً من معركة استنزاف تستهدف إرباك دفاعات المليشيا وتعطيل تحشيداتها وإضعاف منظومة القيادة والسيطرة لديها.
لكنه يحذرون في الوقت ذاته من المبالغة في تقييم القدرات الحالية للمسيّرات، مشيراً إلى أن تأثيرها الظاهر حتى الآن يتركز بصورة أكبر على الخطوط الأمامية والتجمعات والعربات والمواقع القريبة، وليس القدرات الاستراتيجية الموجودة في العمق.
هل تتوسع الضربات إلى العمق؟
السؤال الذي تطرحه المرحلة الجديدة لم يعد متعلقاً بعدد الضربات، وإنما بالمدى الذي يمكن أن تصل إليه.
فإذا كان الهدف هو انتزاع المبادرة بصورة كاملة، فإن ذلك، بحسب خبراء عسكريين، يتطلب الانتقال من استهداف التحركات القريبة من خطوط التماس إلى ضرب البنية التي تسمح للمليشيا بإدارة عملياتها، بما فيها مراكز القيادة والإمداد ومخازن الأسلحة ومنصات الإطلاق.
كما يتطلب التحول بناء دورة عملياتية متكاملة تربط المعلومات الاستخبارية والاستطلاع بالطيران والقوات البرية ضمن قيادة موحدة، بحيث تتحول المعلومة بسرعة إلى هدف، والضربة إلى نتيجة ميدانية قابلة للبناء عليها.
باب المندب في قلب الحسابات
يتزامن التحول الحكومي مع مخاوف متصاعدة من تحركات للمليشيا باتجاه الساحل الغربي وباب المندب.
وقال وزير الإعلام معمر الإرياني إن معلومات الحكومة تشير إلى أن المليشيا تسعى، بدعم وتوجيه إيراني، إلى تهيئة الظروف للتمدد في الساحل الغربي ومحاولة الوصول إلى مناطق وجزر استراتيجية مرتبطة بمضيق باب المندب.
كما تحدثت مصادر عسكرية عن تحشيدات وتصعيد باتجاه المناطق الممتدة من الخوخة والمخا وصولاً إلى باب المندب.
وهذا يجعل الساحل الغربي واحداً من أكثر مسارح المواجهة حساسية، ليس فقط لارتباطه بالصراع الداخلي، وإنما لموقعه على واحد من أهم الممرات البحرية في العالم.
وبالتوازي، تحتفظ مأرب بأهميتها باعتبارها حاجزاً أمام تمدد المليشيا شرقاً باتجاه مناطق النفط والغاز، فيما تمثل تعز جبهة استنزاف رئيسية بحكم موقعها وثقلها السكاني والعسكري.
نهاية مرحلة “ضبط النفس”؟
سياسياً، تبدو القرارات الأخيرة وكأنها إعلان عن انتهاء مرحلة اتسمت بمنح الأولوية للتهدئة والجهود الدولية.
ويرى محللون سياسيون أن توجيهات مجلس الدفاع الوطني تؤكد أن مرحلة ضبط النفس التي التزمت بها الحكومة خلال الفترة الماضية وصلت إلى نهايتها، بعد عدم نجاح الجهود والوساطات الدولية في وقف التصعيد والاعتداءات على المدنيين والأعيان المدنية.
كما أن تطوير قدرات القوات الحكومية في مجالات الطيران المسيّر والاستطلاع والاستهداف، بالتزامن مع رفع الجاهزية في مختلف المحاور، يمنح التحول السياسي أدوات عسكرية لم تكن متاحة بالمستوى نفسه خلال مراحل سابقة.
ومع ذلك، فإن الانتقال من الدفاع إلى المبادرة لا يعني بالضرورة أن قرار الحرب الشاملة قد اتُخذ، لكنه يكشف عن تغير واضح في طريقة إدارة المواجهة: من انتظار هجوم المليشيا والرد عليه، إلى محاولة حرمانها من القدرة على اختيار زمان المعركة ومكانها.
وهنا يكمن الاختبار الحقيقي للتحول الجديد؛ فنجاحه لن يقاس بعدد العمليات والضربات المعلنة فقط، وإنما بقدرة القيادة السياسية والعسكرية على تحويلها إلى معادلة مستدامة تفقد المليشيا زمام المبادرة، وتمنح القوات الحكومية للمرة الأولى منذ سنوات القدرة على تحديد إيقاع المواجهة ومسارها.