مجموعة الأزمات الدولية: اليمن يعود إلى حافة الحرب وسط تصاعد القتال بين المتمردين الحوثيين والقوات الحكومية

ينزلق اليمن سريعاً نحو العودة إلى مربع الحرب؛ فخلال الأسابيع القليلة الماضية، احتدم القتال بين المتمردين الحوثيين والقوات الموالية للحكومة على طول خطوط المواجهة الرئيسية، بالتزامن مع تبادل منتظم لإطلاق النار بين الحوثيين والمملكة العربية السعودية، الداعم الخارجي الأساسي لخصومهم اليمنيين.
ولا يمثل التصعيد الحالي تكراراً للنزاع الذي احتدم بين عامي 2014 و2022 قبل أن ترسي هدنة هشة بحكم الأمر الواقع. فحتى الآن، ما يزال القتال البري محصوراً في بضع مناطق، بينما تلعب الصواريخ والطائرات المسيرة وغيرها من أشكال الهجمات بعيدة المدى دوراً أكثر محورية. ويكمن التساؤل في ما إذا كانت هذه الضربات المتبادلة ستنزلق نحو صراع أوسع نطاقاً.
وقد بات الابتعاد عن الهدنة القائمة بحكم الأمر الواقع جلياً منذ مطلع شهر أغسطس/آب. وبدأ تسلسل الأحداث بأزمة اندلعت في منتصف يوليو/تموز بشأن رحلات جوية سيرها الحوثيون بين صنعاء وطهران دون موافقة مسبقة من الرياض والتحالف الذي تقوده لدعم الحكومة اليمنية. وعقب إحدى تلك الرحلات، شنت السعودية ضربات على مطار صنعاء بعدما اعتبرت الخطوة محاولة لتحدي سيطرة التحالف على المجال الجوي اليمني. ورداً على ذلك، أعلن الحوثيون فرض «حصار بحري» على سفن الشحن المرتبطة بالسعودية، وهددوا بضرب أراضي المملكة وأصولها. ولاحقاً، استهدف الحوثيون مدينتي جازان وأبها في جنوب المملكة، كما وجهوا ضربات لمنشآت نفطية في ينبع على ساحل البحر الأحمر. وردت السعودية بغارات جوية على أهداف للحوثيين شملت مدينة الحديدة الساحلية وجزيرة كمران القريبة منها. وعند تلك النقطة، امتدت المواجهة إلى ساحة المعركة اليمنية، حيث شن الحوثيون هجمات على القوات الموالية للحكومة عبر جبهات عدة.
وليس واضحاً بعد المسار الذي تتجه إليه الأمور، غير أن خطر اندلاع حرب أوسع يظل قائماً وفعلياً، وستكون عواقبه وخيمة على اليمن والمنطقة بأسرها. ولا يُشترط بالضرورة أن ترغب أي من الأطراف في إشعال فتيل صراع أكبر حتى يندلع، كما تُضفي الحرب الأمريكية الإسرائيلية مع إيران عنصراً يزيد المشهد تقلبّاً واشتعالاً. ويتعين على الأطراف اتخاذ خطوات لخفض التصعيد دون إبطاء، بيد أن استعادة الهدنة القائمة بحكم الأمر الواقع ستتطلب ما هو أكثر من ذلك.
اتساع رقعة القتال
جاءت أعنف ضربات الحوثيين في السادس من أغسطس/آب، حين أطلقت الجماعة عدداً من الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة على مواقع تابعة لقوات الطوارئ الموالية للحكومة في حضرموت ومأرب. وأفادت مصادر عسكرية يمنية لمجموعة الأزمات الدولية بمقتل ما لا يقل عن 50 جندياً، من بينهم أربعة ضباط سعوديين، وإصابة العشرات. وزعم الحوثيون أنهم تحركوا لإحباط هجوم وشيك كانت تعد له القوات الحكومية. بيد أن مصادر في صنعاء ترجح وجود دوافع أخرى وراء العملية؛ أولها أن قوات الطوارئ تشارك في تعقب المهربين في حضرموت والجوف ومأرب، وتراقب المسارات التي يستخدمها الحوثيون لنقل الأسلحة والعتاد العسكري إلى المناطق الخاضعة لسيطرتهم. وثانيها أن المواقع المستهدفة تقع بمحاذاة الحدود السعودية، وكانت تمثل شرياناً حيوياً لإمداد القوات الحكومية في مأرب، التي شكلت جبهة رئيسية في المعارك السابقة ضد الحوثيين. ومن خلال استهداف هذه المواقع، بعث الحوثيون برسالة مفادها قدرتهم على منع تحولها إلى منصات انطلاق لهجوم حكومي واسع.
ومنذ ذلك الحين، امتد القتال إلى جبهات أخرى عدة؛ إذ صعد الحوثيون هجماتهم على مأرب مسفرين عن سقوط ضحايا مدنيين، فيما اشتدت حدة الاشتباكات في الضالع وتعز وشبوة. كما اشتبكت القوات الحوثية مع قوات المقاومة الوطنية الموالية للحكومة على ساحل البحر الأحمر، واستهدفت لاحقاً مدينة المخا وميناءها. ومن جانبها، شنت القوات الموالية للحكومة سلسلة من الهجمات الدقيقة بطائرات مسيرة على مواقع حوثية عدة، شملت محيط مأرب وتعز والمخا وحجة والضالع، مبرهنة بذلك على قدرتها على التحرك بشكل منسق في مواقع متفرقة وفي آن واحد. وبات الطرفان يمتلكان اليوم قدرات عسكرية أكثر تطوراً في مجالات الصواريخ والطائرات المسيرة وغيرها مقارنة بما كانا عليه عندما هدأت خطوط التماس إلى حد كبير في مارس/آذار 2022.
وأخيراً، نفذ الحوثيون هجمات طالت السفن التجارية؛ ففي الحادي عشر من أغسطس/آب، استهدفوا سفينة شحن قرب مضيق باب المندب بثلاثة صواريخ باليستية، ما أسفر عن مقتل ستة أشخاص، بينهم أفراد طاقم من باكستان وإندونيسيا واثنان من المنقذين اليمنيين، فضلاً عن إصابة عشرة آخرين. وادعى الحوثيون أن السفينة كانت تحمل عتاداً عسكرياً سعودياً، وهو ما نفته الحكومة اليمنية مؤكدة أنها لم تكن محملة سوى بمواد غذائية. وفي أعقاب هذا الهجوم، شن الحوثيون ضربات عنيفة على المخا ومواقع ساحلية أخرى، أسفرت عن مقتل ثمانية أشخاص على الأقل، من بينهم حارسان لأمن الميناء، وألحقت أضراراً بالمنشآت المينائية وقوارب مجاورة، وهو ما يوضح بجلاء أن أهداف حملتهم البحرية تتجاوز مجرد تعطيل الملاحة في البحر الأحمر لتشمل رفع مخاطر العبور عبر مضيق باب المندب.
استراتيجية الحوثيين
بالنسبة للحوثيين، لا يقتصر تجدد القتال على تحقيق مكاسب ميدانية عاجلة بقدر ما يهدف إلى إعادة تشكيل المشهد السياسي. ففي الوقت الراهن، يبدو أن الجماعة غير قادرة على شن هجوم شامل للسيطرة على الأرض بغية حسم المعركة عسكرياً، بل تسعى بدلاً من ذلك إلى رفع كلفة الوضع الراهن على السعودية وخصومها اليمنيين، أملاً في إجبارهم على تقديم تنازلات. ورغم أن الحوثيين ينطلقون من مصالحهم الذاتية، فإن نهجهم يخدم أيضاً غاية أوسع؛ إذ يتحركون بالتنسيق مع إيران في وقت تسعى فيه طهران جاهدة لإثبات قدرتها على تدفيع الولايات المتحدة وشركائها الإقليميين أثماناً باهظة.
وعلى الصعيد الداخلي، ظلت مطالب الحوثيين ثابتة؛ إذ يطالبون خصومهم بالسماح بتسيير رحلات دولية دون انقطاع من مطار صنعاء وإليه، ودفع رواتب موظفي القطاع العام في المناطق الخاضعة لسيطرتهم (بدءاً من الخزينة السعودية، ولاحقاً من عائدات مبيعات النفط اليمني)، واقتسام الإيرادات العامة معهم، ورفع القيود المفروضة على ميناء الحديدة. ولكل مطلب من هذه المطالب وظيفة سياسية بالغة الأهمية؛ فالحوثيون يسعون لتوظيف سيطرتهم على صنعاء ومعظم شمال اليمن لانتزاع اعتراف بسيادتهم، بما يشمل الملاحة الجوية والتجارة والعلاقات الخارجية. ويعد الخلاف حول الرحلات الجوية بين صنعاء وطهران خير دليل على ذلك؛ فالرهان لا يتوقف عند مجرد وصول المساعدات الإنسانية إلى العاصمة، بل يمتد إلى قدرة الحوثيين على نسج علاقات مع العالم الخارجي دون موافقة الحكومة المعترف بها دولياً (وبطبيعة الحال، فإن اختيار طهران وجهةً للرحلات ليس بريئاً بأي حال، إذ يمكن استغلال هذا الخط لنقل العتاد العسكري والأفراد، وفق ما اتهمت به الحكومة اليمنية). وينطبق المنطق ذاته على ميناء الحديدة ورواتب القطاع العام والإيرادات؛ ففي كل حالة، يطمح الحوثيون إلى تحويل السيطرة العسكرية – ومعها الضغط العسكري المتزايد حالياً – إلى سلطة سياسية واقتصادية، مع رفض أي ترتيبات تبقيهم تابعين لمؤسسات تسيطر عليها الحكومة اليمنية.
وكذلك تخدم هجماتهم في باب المندب غرضاً سياسياً، فضلاً عن إظهار التضامن مع إيران. ورغم عجز الحوثيين عن إغلاق المضيق عملياً، فإن بمقدورهم جعل الملاحة المرتبطة بالسعودية أكثر هشاشة وعرضة للاستهداف، ودفع رسوم التأمين نحو الارتفاع، وحمل الشركات على البحث عن مسارات بديلة، ما يرفع كلفة الوضع الراهن على السعودية ويكسب الجماعة أوراق ضغط دون تكبد خسائر عسكرية تُذكر.
فرصة الحكومة
تنظر الحكومة اليمنية إلى تجدد المواجهة من منظور مختلف تماماً؛ فقد أسفرت أربع سنوات من الهدوء النسبي عن تجميد خطوط المواجهة دون استعادة سلطة الدولة أو إحداث تغيير جوهري في موازين القوى. ومن وجهة نظر الحكومة، استغل الحوثيون هذه الفترة لترسيخ حكمهم وتعزيز قدراتهم العسكرية. في المقابل، ظلت الحكومة منقسمة، وعاجزة عن بسط قيادة عسكرية موحدة في المناطق الخاضعة لسيطرتها اسمياً، وباتت أكثر اعتماداً على الدعم الخارجي، لا سيما بعد الهجمات التي شنها الحوثيون عام 2022 على المنشآت النفطية في حضرموت وشبوة، والتي حرمتها من تصدير النفط.
وترى الحكومة الآن فرصة سانحة لإعادة صياغة الديناميكيات اليمنية لصالحها؛ إذ تعتقد أن لديها مسوغاً لمواجهة الحوثيين بدلاً من البقاء أسيرة لحالة «اللاحرب واللاسلم».
وتعتقد الحكومة أنها تمتلك أوراق قوة مهمة في ظل هذه المعطيات الجديدة؛ إذ تتوقع أن ترفع السعودية مستوى دعمها السياسي والمالي والعسكري، بما يمكن القوات الموالية للحكومة من ممارسة ضغط أكبر على جبهات عدة واستعادة السيطرة على الأرض. وحتى الآن، ورغم اتسام هجماتها بالتحفظ المحسوب، فقد استخدمت أسلحة أكثر تطوراً مقارنة بجولات القتال السابقة، مسببة خسائر في صفوف الحوثيين. وخلال الأسبوع الثاني من أغسطس/آب وحده، شيعت الجماعة أكثر من 60 مقاتلاً؛ ورغم أن الحوثيين لا يكشفون عادة عن حصيلة خسائرهم، فقد أفادت مصادر في صنعاء لمجموعة الأزمات بأن غالبية هؤلاء القتلى سقطوا بنيران القوات الحكومية. كما يرى مسؤولون حكوميون أن الحوثيين أضحوا أكثر هشاشة وضعفاً على الصعيد الداخلي مقارنة بالسابق، جراء تفاقم الضائقة الاقتصادية في المناطق الواقعة تحت سيطرتهم وتصاعد حالة الاستياء من إجراءاتهم الأمنية القمعية. ولهذه الأسباب، لا تجد الحكومة رغبة في العودة إلى مسار التفاوض الذي ترى أنه سيفقدها مكاسبها الجديدة. وفي أحاديث مع مجموعة الأزمات، أكد مسؤولون رفيعو المستوى أن استمرار الضغط العسكري يمنح الحكومة فرصة أفضل لتعزيز موقعها.
حسابات المملكة العربية السعودية
من بين جميع الأطراف المعنية مباشرة، يمكن القول إن المملكة العربية السعودية تقف في الموقف الأكثر تعقيداً؛ إذ ليس بوسعها تجاهل الهجمات التي تطال أراضيها، تماماً كما لا يمكنها الوقوف مكتوفة الأيدي إزاء تقييد الحوثيين للملاحة في باب المندب أو استهدافهم للقوات الحكومية اليمنية. وفي الوقت نفسه، لا تبدي الرياض رغبة تذكر في العودة إلى التدخل العسكري المفتوح الذي وسم سنوات الحرب بين 2015 و2022. والواقع أن السياسة السعودية قامت، منذ هدنة 2022 القائمة بحكم الأمر الواقع، على خفض التهديدات القادمة من اليمن مع توفير الظروف المواتية لتسوية سياسية لا تتطلب انخراطاً عسكرياً طويل الأمد. غير أن التصعيد الحوثي الراهن يضع هذه المقاربة على المحك.
وتتسم المسألة البحرية بحساسية بالغة على وجه الخصوص؛ فمع الإغلاق شبه الكامل لمضيق هرمز في أعقاب الحرب الأمريكية الإسرائيلية مع إيران، تزايدت أهمية خط أنابيب «شرق-غرب» السعودي والموانئ المطلة على البحر الأحمر، بما فيها ينبع، كمسارات بديلة لتصدير الطاقة. وعليه، فإن المحاولات الحوثية المستمرة لاستهداف الملاحة في البحر الأحمر أو باب المندب ستلقي بظلالها وتداعياتها بعيداً خارج حدود اليمن. وقد منحت هذه الهجمات الحوثيين بالفعل القدرة على إرباك التجارة الدولية للمملكة.
عملت الرياض على توسيع شبكة شراكاتها الأمنية لبناء رادع أكثر مصداقية في مواجهة التهديدات التي يشكلها الحوثيون وإيران والجماعات الموالية لطهران في العراق. وتصدرت المملكة جهود تأسيس «التحالف الدولي للأمن البحري»، الذي أُعلن عنه في 30 يوليو/تموز، وضم أكثر من 40 دولة، من بينها الولايات المتحدة، ضمن «إطار دفاعي» يهدف إلى «حماية… المصالح البحرية المشتركة في مضيق باب المندب والبحر الأحمر وخليج عدن». وفي السابع من أغسطس/آب، أبرمت السعودية أيضاً «اتفاقية مكة للدفاع المشترك»، وهي معاهدة دفاع متبادل مع باكستان وتركيا.
وتشير هذه الخطوات مجتمعة إلى أن الرياض تسعى لرفع كلفة أي تصعيد موجه ضدها، بدلاً من التحضير لحملة عسكرية أوسع. ويتسق هذا النهج مع السياسة السعودية المتبعة منذ عام 2022، والمتمثلة في الحد من الانخراط المباشر في النزاعات الإقليمية، مع تعزيز الأدوات العسكرية والدبلوماسية اللازمة لردع التصعيد أو وضع حد له.
وفي الوقت الحالي، تمتلك السعودية مبررات تدفعها لتفضيل الرد التدريجي؛ فبدلاً من شن حملة جوية متواصلة على الفور، تترك المجال للقوات اليمنية لتولي زمام المبادرة ميدانياً، وتزودها بأسلحة متطورة ودعم استخباري ودفاعي وبحري، مع ثنيها في الوقت ذاته عن أي تصعيد قد يخرج عن نطاق السيطرة. وتأمل الرياض بهذه الطريقة في إعادة بناء الردع دون الانزلاق الفوري إلى حرب شاملة. غير أن هامش ضبط النفس قد يضيق سريعاً؛ إذ إن وقوع خسائر بشرية كبيرة داخل السعودية، أو تعرض منشأة نفطية لهجوم حوثي يلحق بها أضراراً جسيمة، أو وقوع حادث ملاحي خطير، أو تقدم حوثي واسع باتجاه الساحل الغربي لليمن أو مأرب، كلها عوامل قد تقلب حسابات الرياض رأساً على عقب.
مخاطر اندلاع حرب أوسع نطاقاً
لقد عاد اليمن إلى مربع الحرب مجدداً، والمسألة المطروحة الآن تدور حول طبيعة هذه الحرب ومآلاتها. ويتمثل السيناريو الأرجح على المدى القريب في استمرار تبادل الضربات المحدودة بالصواريخ والطائرات المسيرة والمدفعية براً وبحراً، إلى جانب اشتداد المعارك البرية في بعض الجبهات. غير أن الانتقال من هذه المرحلة إلى صراع أكثر شمولاً لا يتطلب بالضرورة قراراً صريحاً من أي طرف، بل قد ينجم عن سلسلة من القرارات التكتيكية الصغيرة التي تبدو أقل خطورة؛ فهجوم صاروخي يشنه الحوثيون قد يستتبع رداً حكومياً يؤدي بدوره إلى ضربة حوثية جديدة، ما يسفر عن زيادة الدعم العسكري السعودي ورد انتقامي حوثي مباشر يستهدف الأراضي السعودية أو حركة الملاحة. وعندئذ، قد تجد الرياض نفسها مضطرة لتوسيع نطاق تدخلها، فيما قد ترى الحكومة في تبدل موازين القوى فرصة لفتح جبهة جديدة. وهكذا تتوالى الخطوات التي يُنظر إلى كل منها على أنها دفاعية أو محدودة، غير أنها تدفع بالصراع مجتمعة نحو مواجهة كبرى.
وفي الأثناء، تتضاءل فرص احتواء الصراع مع اتساع رقعته؛ ففي الأسبوع الأخير من يوليو/تموز، سعت عُمان لإعادة الحوثيين والسعودية إلى طاولة المفاوضات لإحياء الهدنة، لكن المساعي باءت بالفشل، ويعود ذلك جزئياً إلى توسيع الحوثيين لجدول أعمالهم التفاوضي؛ حيث واصلوا تمسكهم بالتنازلات المذكورة آنفاً، بل وأضافوا إليها مطالب بانسحاب سعودي كامل من اليمن، ووقف تمويل الحكومة اليمنية ودعمها، ودفع تعويضات عن التدخل العسكري. وهو ما لن تقبل به الرياض، بل ولا تستطيع تلبيته حتى وإن رغبت في ذلك، بالنظر إلى القيود التي تفرضها العقوبات الأمريكية على الحوثيين. وفي الوقت نفسه، غيرت إيران – التي كانت تسعى في السابق لتهدئة التوترات بين الحوثيين وخصومهم – موقفها خلال العام المنصرم؛ إذ ترى في خضم مواجهتها الأوسع مع الولايات المتحدة مكاسب حقيقية في إحداث مزيد من الاضطراب في أسواق النفط جراء الهجمات في باب المندب.
والعودة إلى مفاوضات جادة ليست بعيدة المنال؛ إذ قد يخلص أطراف النزاع إلى أن المسار الحالي ينطوي على عوائد متناقصة ومخاطر متزايدة. وقد يرى الحوثيون في الوقت الحالي مكاسب من وراء التصعيد المضبوط، غير أنهم قد يدركون وجهه الآخر: وهو أن أفعالهم قد تفضي إلى تشكيل ذلك التحالف العسكري اليمني المدعوم سعودياً وتؤدي إلى التعبئة الداخلية التي طالما سعوا لتجنبها. ومن جانبها، تفضل السعودية بوضوح استعادة قدر من الهدوء، ولا يستطيع حلفاؤها اليمنيون تجاهل مساعيها. وينبغي أن تتمثل الأولوية العاجلة في وقف الحوثيين والحكومة المدعومة سعودياً لجميع الهجمات البرية والبحرية، والشروع في سلسلة من إجراءات بناء الثقة المتبادلة والعملية. ويجب أن تشمل هذه الإجراءات إعادة فتح مطار صنعاء فوراً وفق قائمة أولية بوجهات متفق عليها تماشياً مع المباحثات السابقة، وتخفيف القيود المفروضة على حركة السفن من موانئ الحديدة وإليها، وإحياء تفاهمات تبادل الأسرى المتعثرة التي كانت تقضي بالإفراج عن نحو 1600 معتقل.
ورغم أهمية هذه الخطوات لخفض التصعيد، فإن ترسيخ أي هدوء لاحق في اليمن سيتطلب ما يتجاوزها؛ إذ من غير المرجح أن يرضى الحوثيون أو الحكومة باتفاق يقتصر حصراً على الإجراءات التي نوقشت خلال الهدنة السابقة. فالبيئة السياسية والإقليمية لم تعد كما كانت، كما أن المواجهات العسكرية في الأسابيع الأخيرة توحي بأن ترتيبات هدنة 2022 لم تعد كافية للحفاظ على هدوء خطوط القتال. وإذا كانت الجهود الدبلوماسية السابقة تميل للتعامل مع القضايا الإنسانية والاقتصادية والسياسية وفق تسلسل مرحلي، فإن الأزمة الحالية قد أظهرت بوضوح مدى التداخل الوثيق بينها؛ فلا يمكن فصل وضع مطار صنعاء أو الحديدة، على سبيل المثال، عن تداعياته السياسية. لذا، فور صمت البنادق وبدء تنفيذ الخطوات الأولية لبناء الثقة، سيكون من المهم الإسراع في إطلاق مفاوضات، ربما بوساطة عُمانية، تتناول قضايا أوسع، مثل دفع رواتب موظفي المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، وتقاسم الإيرادات بين الحوثيين والحكومة، وإنهاء الانقسامات الاقتصادية بين صنعاء وعدن (المقر المؤقت للحكومة)، لا سيما مسألة وجود بنكين مركزيين وعملتين منفصلتين.
وعلاوة على ذلك، تبرز القضايا السياسية التي تشكل جوهر النزاع الداخلي؛ وتتعلق بترتيبات تقاسم السلطة على المدى الطويل، ووضع الجنوب، وشكل الدولة المستقبلي (سواء كانت اتحاداً فيدرالياً أو كونفدرالياً أو كياناً أكثر مركزية)، إلى جانب المسائل الدستورية الأخرى. ورغم أن التوصل إلى حل فوري قد لا يكون مطروحاً في الوقت الحالي، إلا أنه يتعين على الحكومة والحوثيين التوافق على جدول أعمال مشترك للتفاوض بشأن هذه الحزمة من الملفات، فضلاً عن تحديد مرحلة انتقالية يتم خلالها تنسيق ترتيبات مؤقتة لتقاسم السلطة قبل الانتقال إلى محادثات يمنية-يمنية أوسع نطاقاً.
وبطبيعة الحال، فإنه من غير المرجح تحقيق أي خفض دائم للتصعيد ما دامت المواجهة الأمريكية الإيرانية مستمرة. ومن ثم، فإن إحياء مذكرة التفاهم بين البلدين، أو التوصل إلى ترتيب مماثل يؤدي إلى فتح مضيق هرمز وإنهاء الأعمال العدائية ويمهد الطريق لمفاوضات أوسع، يكتسب أهمية بالغة لمنع انزلاق المنطقة – واليمن من ضمنها – إلى صراع ممتد آخر تكون له عواقب كارثية على الجميع.
**أحمد ناجي كبير المحللين لشؤون اليمن في مجموعة الأزمات الدولية.