من رحلة الغربة إلى بناء «كارت كيو».. مهندس يمني يشارك في صناعة منصة للتجارة الإلكترونية

قضايا ساخنة 28 أغسطس 2026 - 11:25 ص المصدر: تعز تايم - خاص
من رحلة الغربة إلى بناء «كارت كيو».. مهندس يمني يشارك في صناعة منصة للتجارة الإلكترونية

في الوقت الذي دفعت فيه الحرب والأزمات آلاف الكفاءات اليمنية إلى مغادرة البلاد والبدء من جديد في بلدان الاغتراب، اختار بعضهم أن يحول تجربة النزوح وعدم الاستقرار إلى مساحة جديدة للعمل والبناء.

 ومن بين هذه التجارب تبرز قصة المهندس اليمني مراد ناصر محمد يسلم، الشريك المؤسس في منصة كارت كيو (CartQu) للتجارة الإلكترونية.

لم تبدأ قصة يسلم مع الشركات الناشئة أو منصات التجارة الإلكترونية، بل تمتد خبرته التقنية إلى سنوات طويلة قضاها في اليمن، حيث عمل في مجال تقنية المعلومات في مستشفى جامعة العلوم والتكنولوجيا، وشارك خلال مسيرته في تطوير البنية التقنية للمؤسسة وأنظمتها المعلوماتية.

لكن الظروف التي عاشها اليمن خلال السنوات الماضية غيرت مسار حياته، كما غيرت حياة كثير من اليمنيين.

وكانت «تعز تايم» قد تناولت في مادة سابقة قصة المهندس مراد يسلم، الذي ينحدر من محافظة أبين، مشيرة إلى أنه فقد عمله في الفترة التي أعقبت سيطرة جماعة الحوثي على العاصمة صنعاء، قبل أن يغادر البلاد في ظل ظروف أمنية ومهنية صعبة.

بداية جديدة بعيدًا عن الوطن

مغادرة اليمن بالنسبة إلى كثير من الكفاءات لم تكن انتقالًا طبيعيًا من وظيفة إلى أخرى، بل بداية حياة جديدة من الصفر.

انتقل يسلم لاحقًا إلى إسطنبول، وعمل في عدد من المجالات المرتبطة بالإعلام والتقنيات الرقمية، قبل أن يواصل مسيرته المهنية خارج تركيا ويستقر لاحقًا في أوروبا.

وخلف الصورة المعتادة عن المهندس أو رائد الأعمال الذي يعمل من دولة أوروبية مستقرة، توجد سنوات من التنقل ومحاولة تأمين الاستقرار الشخصي والمهني، وإعادة بناء شبكة العلاقات والعمل والدخل بعيدًا عن الوطن.

وفي الوقت الذي كان فيه يسلم يحاول تأسيس حياة جديدة في الغربة، لم تتوقف علاقته بعالم التقنية وتطوير المشاريع الرقمية.

ومع تراكم الخبرة جاءت مرحلة جديدة من الرحلة: المشاركة في تأسيس وبناء منصة كارت كيو (CartQu) للتجارة الإلكترونية.

«كارت كيو».. مشروع تقني ولد من المنطقة

تأسست كارت كيو (CartQu) كمنصة برمجية تعمل بنظام الاشتراك Software as a Service، وتهدف إلى مساعدة التجار وأصحاب المشاريع على إنشاء متاجرهم الإلكترونية وإدارتها دون الحاجة إلى بناء أنظمة تقنية خاصة من الصفر.

وتحاول كارت كيو تقديم تجربة موجهة بصورة خاصة لاحتياجات التجار في المنطقة العربية، في سوق تسيطر عليه منصات عالمية كبيرة، بينما لا تزال احتياجات الأسواق المحلية تختلف في عدد من التفاصيل، بدءًا من اللغة وطريقة عرض المحتوى، وصولًا إلى وسائل الدفع وطبيعة تعامل التجار مع عملائهم.

وتتيح كارت كيو للتاجر إنشاء متجر إلكتروني وإدارة المنتجات والطلبات والعملاء والمخزون والمحتوى من لوحة تحكم واحدة، إلى جانب استخدام نطاق إلكتروني خاص بالمتجر وتخصيص واجهته.

كما تدعم المنصة اللغة العربية بشكل كامل إلى جانب الإنجليزية والتركية، وهو جانب تحاول من خلاله أن تجعل اللغة العربية جزءًا أساسيًا من تجربة المنتج، وليس مجرد ترجمة تضاف إلى منصة صممت أساسًا لسوق آخر.

من البيع التقليدي إلى متجر إلكتروني

تأتي فكرة كارت كيو في وقت يشهد فيه العالم العربي تحولًا متسارعًا نحو التجارة الإلكترونية.

ولا تزال آلاف المشاريع الصغيرة والمتوسطة، خصوصًا المشاريع المنزلية والبائعين عبر شبكات التواصل الاجتماعي، تعتمد على الرسائل المباشرة وواتساب وطرق يدوية لتسجيل الطلبات ومتابعة العملاء.

وتحاول المنصة نقل هذه المشاريع من البيع المتفرق عبر عدة قنوات إلى متجر إلكتروني يستطيع التاجر إدارته بصورة أكثر تنظيمًا.

وتوفر كارت كيو كذلك مجموعة من وسائل الدفع والتكاملات التي تشمل بوابات دفع دولية وإقليمية، إلى جانب خيارات مثل الدفع عند الاستلام والتحويل البنكي، وهي وسائل لا تزال ذات أهمية كبيرة في عدد من الأسواق العربية.

وتدعم المنصة أيضًا أدوات مرتبطة بقياس الأداء والإعلانات والتواصل مع العملاء، من بينها Google Analytics وMeta Pixel وWhatsApp، بالإضافة إلى أدوات لاستيراد المنتجات من منصات وأنظمة أخرى.

منافسة ليست سهلة

دخول سوق منصات التجارة الإلكترونية ليس مهمة بسيطة.

فالقطاع يضم شركات عالمية بمليارات الدولارات ومنصات إقليمية تمتلك تمويلًا كبيرًا وقواعد واسعة من المستخدمين.

بالنسبة إلى فريق صغير يعمل على بناء منصة من المنطقة، فإن المنافسة لا تتعلق بكتابة البرمجيات فقط، بل ببناء المنتج، وتمويل استمراريته، وخدمة العملاء، وتطوير البنية التقنية، وإضافة وسائل دفع وتكاملات جديدة، ثم محاولة الوصول إلى التجار وإقناعهم بتجربة منصة جديدة.

وهنا تأخذ قصة كارت كيو بعدًا مختلفًا بالنسبة إلى مؤسس يمني يعيش في المهجر.

فبينما كان على يسلم أن يعيد بناء حياته المهنية بعيدًا عن بلاده، كان يشارك في الوقت ذاته في بناء مشروع يحتاج هو الآخر إلى أن يشق طريقه من الصفر في سوق شديدة المنافسة.

إنها معادلة يعرفها كثير من رواد الأعمال المهاجرين: أن تعمل من أجل الاستمرار في حياتك اليومية، وفي الوقت نفسه تعمل على شيء تأمل أن يصبح أكبر من مجرد وظيفة.

من اليمن إلى منصة تتطلع إلى المنطقة

لم تبقَ كارت كيو (CartQu) مشروعًا تقنيًا يعمل بعيدًا عن مشهد الشركات الناشئة.

فقد شاركت المنصة في Web Summit Qatar 2026، أحد أبرز التجمعات التقنية وريادة الأعمال في المنطقة، وذلك للعام الثاني على التوالي، حيث عرض الفريق المنصة أمام رواد أعمال ومستثمرين وشركات تقنية من دول مختلفة.

وتمثل المشاركة في مثل هذه الفعاليات بالنسبة إلى شركة ناشئة صغيرة فرصة لاختبار الفكرة أمام السوق، وبناء علاقات مع شركاء محتملين، ومعرفة المكان الذي يمكن أن تحتله المنصة وسط منافسين أكبر وأكثر تمويلًا.

وتقول كارت كيو إن رؤيتها تقوم على جعل البيع عبر الإنترنت أكثر سهولة ومرونة، خصوصًا لأصحاب المشاريع الذين لا يمتلكون فرقًا تقنية خاصة بهم.

وتوفر لهذا الغرض باقة مجانية للبدء، إلى جانب باقات أخرى موجهة للمشاريع التي تحتاج إلى إمكانيات أكبر مع نمو أعمالها.

الوجه الآخر للاغتراب اليمني

غالبًا ما تُروى قصة الاغتراب اليمني من زاوية الخسارة: شخص غادر منزله، وظيفة انتهت، أسرة تفرقت، أو مستقبل أصبح مجهولًا.

وهذه الصورة حقيقية ولا يمكن تجاهلها.

لكن إلى جانبها توجد قصة أخرى أقل ظهورًا: قصة آلاف اليمنيين الذين انتقلوا إلى بلدان مختلفة وأعادوا تشكيل حياتهم المهنية، ودخلوا الجامعات والشركات وقطاع التقنية والأعمال وريادة المشاريع.

قصة مراد يسلم لا تلغي قسوة الظروف التي دفعته إلى مغادرة بلاده، لكنها تكشف ما يمكن أن يحدث عندما تحمل الكفاءة اليمنية خبرتها معها إلى الغربة بدل أن تنتهي تلك الخبرة بمجرد مغادرة الوطن.

فبعد سنوات من العمل في المؤسسات التقنية داخل اليمن، ثم الخروج إلى الغربة والبحث مجددًا عن الاستقرار، أصبح اليوم أحد الشركاء في مشروع يحاول أن يبني منتجًا تقنيًا ينافس في سوق إقليمي ودولي.

وطن بعيد.. ومشروع يكبر

ربما يكون أهم ما في قصة كارت كيو بالنسبة إلى اليمنيين ليس عدد الخصائص الموجودة داخل المنصة أو عدد بوابات الدفع التي تدعمها.

الأهم هو الطريق الذي سبق ظهورها.

طريق بدأ بخبرة تقنية بنيت داخل اليمن، ثم انقطع بفعل الحرب وعدم الاستقرار، قبل أن يستمر في إسطنبول وأوروبا، ويتحول في مرحلة لاحقة إلى تجربة في ريادة الأعمال وبناء منتج تقني.

وبالنسبة لمراد يسلم، فإن بناء كارت كيو لم يحدث من مكتب قريب من المنزل أو في بيئة مستقرة منذ البداية، وإنما جاء بعد رحلة طويلة من إعادة تأسيس الحياة خارج الوطن.

وهي قصة تتكرر اليوم بصور مختلفة بين اليمنيين في المهجر؛ قد تجبرهم الظروف على مغادرة المكان، لكنها لا تستطيع بالضرورة أن تنهي ما يحملونه معهم من خبرة وأفكار وطموح.

وفي عالم أصبحت فيه الشركات التقنية قادرة على أن تبدأ بفريق صغير موزع بين أكثر من دولة، ربما لا يكون السؤال الأهم هو من أي بلد انطلقت الشركة، بل ما الذي يستطيع أبناؤه أن يبنوه حين تتاح لهم فرصة الاستمرار؟

ومن هذه المساحة، تحاول كارت كيو (CartQu) أن تكتب فصلها الخاص بمنصة تجارة إلكترونية نشأت بعيدًا عن وطن أرهقته الصراعات، لكنها تحمل في قصتها جزءًا واضحًا من تجربة اليمنيين في الغربة: البقاء، ثم البدء من جديد، ثم محاولة البناء.

 

أخبار ذات صلة