توسيع عمليات الردع يمهّد لمعركة واسعة في اليمن ضد مليشيا الحوثي

يدخل التصعيد العسكري في اليمن مرحلة جديدة، مع توجه القوات الحكومية نحو توسيع عمليات الردع الجوي والصاروخي ضد مليشيا الحوثي، بالتزامن مع رفع الجاهزية وتوحيد غرف العمليات وتكثيف النشاط الاستخباراتي، في تحولات يرى خبراء عسكريون أنها قد تنقل المواجهة من مرحلة صد الهجمات إلى استهداف مصادر التهديد.
ويأتي هذا التحول عقب توجيهات مجلس الدفاع الوطني بتوسيع عمليات الردع ورفع مستوى الجاهزية، في ظل تصاعد هجمات المليشيا وتحركاتها على عدد من الجبهات، واستهدافها منشآت ومواقع حيوية خلال الفترة الماضية.
وبحسب خبراء عسكريين تحدثوا لصحيفة «الشرق الأوسط»، فإن التوجه الجديد يقوم على تقليص قدرة المليشيا على شن هجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة، بالتوازي مع تعزيز قدرات القوات الحكومية على الاستطلاع والإسناد الجوي وتحديد الأهداف.
من الدفاع إلى المبادرة
ويرى الخبير العسكري والاستراتيجي العميد الركن ياسر صالح أن التوجيهات الأخيرة تستهدف تحييد القدرات الصاروخية والطائرات المسيّرة للمليشيا، بعدما انحصرت العمليات الحكومية خلال مراحل سابقة بدرجة كبيرة في صد الهجمات والتعامل معها.
وأوضح أن رفع مستوى الردع يعني الانتقال إلى استهداف مصادر النيران ومنصات الإطلاق، بما يقلص قدرة المليشيا على مواصلة هجماتها ويمنح القوات الحكومية مساحة أكبر للمبادرة الميدانية.
ويبرز في هذا السياق دخول الطيران المسيّر الحكومي بصورة متزايدة إلى مسرح العمليات، بعدما أعلنت القوات المسلحة خلال الأيام الماضية تنفيذ عمليات بواسطة طائرات مسيّرة ضد مواقع وتحركات للمليشيا في عدد من الجبهات.
ووصف صالح دخول المسيّرات بأنه تطور مهم في مسار المواجهة، لما توفره من إمكانات للاستطلاع وتحديد الأهداف وإسناد القوات البرية، خصوصا في المناطق الجبلية والجبهات التي يصعب فيها استخدام وسائل الإسناد التقليدية.
وأشار إلى أن المسيّرات المستخدمة حاليا تشمل طائرات انقضاضية صغيرة وأخرى قادرة على إسقاط الذخائر، مرجحا امتلاك القوات الحكومية قدرات أكثر تطورا لم تدخل العمليات بعد.
غرفة عمليات واحدة
ويتزامن تطور القدرات الجوية مع خطوات متسارعة لتوحيد القرار والعمليات العسكرية بين مختلف القوات والتشكيلات الحكومية.
وكان نائب رئيس مجلس القيادة الرئاسي عبدالله العليمي قد أكد أن جميع الوحدات والتشكيلات العسكرية باتت تدار من غرفة عمليات واحدة وفي مسرح عمليات موحد، في خطوة تمثل تحولا مهما مقارنة بحالة تعدد غرف القيادة التي طبعت مراحل سابقة من الحرب.
ويرى خبراء أن توحيد غرف العمليات يمنح القوات الحكومية قدرة أكبر على التنسيق بين الجبهات وتوزيع الموارد والإسناد وتنفيذ عمليات متزامنة، ويحد من قدرة المليشيا على حشد قواتها في جبهة واحدة أو نقل احتياطاتها العسكرية بين المحاور بسهولة.
مؤشرات «تمهيد نيراني»
من جانبه، يرى الخبير العسكري العميد الركن محمد الكميم أن توسيع عمليات الردع قد يفتح المجال أمام استخدام قدرات نارية أكثر تطورا، بالتزامن مع تكثيف استهداف مواقع وتحركات المليشيا.
وقال إن الأهداف المحتملة في إطار أي تصعيد عسكري قد تشمل مراكز القيادة والسيطرة والاتصالات ومصادر النيران وخطوط الإمداد والتعزيز.
واعتبر أن ارتفاع وتيرة النيران ضد المواقع والأنساق الأمامية، بالتزامن مع التحشيدات ورفع الجاهزية، يمكن أن يندرج عسكريا ضمن عمليات التمهيد التي تسبق تحركات ميدانية أوسع.
وأشار الكميم إلى أن القوات الحكومية أصبحت أكثر تنظيما وتنسيقا مقارنة بالسنوات السابقة، خصوصا في ظل وجود غرفة عمليات موحدة وارتفاع مستوى التنسيق بين المحاور والتشكيلات.
استراتيجية متعددة المسارات
ويرى الخبير السياسي والعسكري عبدالوهاب بحيبح أن التوجيهات الأخيرة لمجلس الدفاع الوطني تعكس توجها نحو الانتقال من رد الفعل إلى محاولة امتلاك زمام المبادرة.
ولفت إلى أن التحركات لا تقتصر على الجانب العسكري المباشر، وإنما تشمل رفع الجاهزية وتعزيز قدرات الإنذار المبكر وتكثيف العمل الاستخباراتي وتشديد الإجراءات الأمنية والبحرية لمواجهة عمليات تهريب الأسلحة إلى المليشيا.
وبحسب هذا التقدير، تسعى الحكومة إلى بناء استراتيجية متعددة المسارات تجمع بين الضغط العسكري والجهد الاستخباراتي والأمني والبحري، في محاولة لإعادة تشكيل معادلة الردع التي استفادت فيها المليشيا خلال السنوات الماضية من امتلاكها الصواريخ والطائرات المسيّرة ومن تشتت خصومها.
تحشيدات يقابلها استعداد حكومي
وتأتي هذه التطورات بينما تشهد عدة جبهات تحركات وتحشيدات متبادلة، رغم انخفاض وتيرة المواجهات المباشرة خلال الساعات الأخيرة.
وتشير المعطيات الميدانية إلى استمرار رفع الجاهزية وإعادة التموضع والتحصين في عدد من المحاور، ما يجعل الهدوء الحالي أقرب إلى حالة ترقب عسكري منه إلى انخفاض فعلي في مستوى التصعيد.
ويعتقد خبراء أن قدرة القوات الحكومية على العمل بصورة متزامنة في أكثر من جبهة ستكون عاملا أساسيا في أي مواجهة مقبلة، إذ من شأن تعدد محاور الضغط أن يحد من قدرة المليشيا على نقل التعزيزات والمناورة بقواتها بين الجبهات.
البحر الأحمر في قلب المواجهة
ولا ينفصل التصعيد البري عن التطورات في البحر الأحمر وباب المندب، بعدما تحولت الملاحة الدولية خلال السنوات الأخيرة إلى أحد أبرز ملفات الأزمة اليمنية.
ويؤكد خبراء أن استمرار سيطرة المليشيا على مناطق واسعة من الساحل الغربي يمنحها قدرة على تهديد خطوط الملاحة واستخدام البحر الأحمر كورقة ضغط مرتبطة بالتوترات الإقليمية.
وفي المقابل، تعمل الحكومة على تعزيز قدرات قواتها البحرية وخفر السواحل، بالتوازي مع تشديد الرقابة على مسارات تهريب الأسلحة، في محاولة لربط المواجهة البرية بجهد بحري وأمني أوسع.
العامل الإقليمي
ورغم المؤشرات العسكرية المتصاعدة، يرى الخبراء أن مسار المواجهة سيظل مرتبطا إلى حد كبير بالتطورات الإقليمية، وخصوصا العلاقة بين إيران والولايات المتحدة.
ويحذر مراقبون من أن أي تصعيد إقليمي جديد قد ينعكس مباشرة على الساحة اليمنية والبحر الأحمر، في ظل ارتباط المليشيا بطهران واستخدام الأخيرة حلفاءها الإقليميين ضمن حساباتها الأوسع.
وفي المقابل، فإن أي تسويات إقليمية محتملة قد تعيد الملف اليمني إلى مسارات التفاوض، وهو ما يدفع أصواتا يمنية إلى المطالبة باستثمار الظروف الحالية لتعزيز موقع الدولة سياسيا وعسكريا قبل حدوث تغيرات في المشهد الدولي.
وبين تحشيدات المليشيا ورفع جاهزية القوات الحكومية وتوحيد غرف العمليات ودخول الطيران المسيّر بصورة متزايدة إلى المواجهة، تبدو جبهات اليمن أمام مرحلة مختلفة من الحرب.
غير أن الانتقال من الردع إلى مواجهة أوسع سيظل مرهونا بالقرار السياسي والظروف الميدانية والحسابات الإقليمية، فيما تشير التطورات الحالية إلى أن حالة الهدوء النسبي على خطوط التماس لا تعني انتهاء التصعيد، بقدر ما قد تمثل مرحلة إعادة تموضع واستعداد لما سيأتي.