وشهدت الجلسة، التي أدارها الباحث والصحفي آدم الحسامي، نقاشات ثرية ومداخلات مستفيضة ركزت على تفكيك العلاقة الجدلية بين البنية القبلية ومفهوم الدولة الحديثة في اليمن.
وقدّم الباحث في الاجتماع السياسي عمار السوائي ورقة عمل رئيسية جادل فيها بأن الإشكالية اليمنية لا تكمن في وجود القبيلة بحد ذاته، وإنما في طبيعة العلاقة التاريخية بينها وبين مؤسسات الدولة، ومدى قدرة الدولة على إنتاج شرعية تتجاوز الولاءات الأولى دون إلغائها.
ورفض السوائي الطرح الاختزالي الذي يقدّم العلاقة كـ"ثنائية صفرية صدامية"، مؤكداً أن التجربة اليمنية تكشف عن صور متعددة تراوحت بين التكامل، التعايش، التنافس، والتوظيف المتبادل، موضحًا أن القبيلة أدت تاريخياً –وفي ظل الحرب الراهنة– وظائف الدولة عند غياب المؤسسات الرسمية؛ كحفظ الأمن المحلي، تسوية النزاعات، وتوفير الحماية الاجتماعية.
وخلصت ورقة السوائي إلى أن مستقبل الدولة لا يمر عبر إقصاء القبيلة أو تفكيكها، بل عبر إعادة تعريف العلاقة معها وفق عقد اجتماعي جديد تصبح فيه شريكاً في إنتاج الاستقرار لا بديلاً عن القانون وسلطة الدولة.
من جانبه، تناول الباحث السياسي زكريا السعدي تحولات دور القبيلة خلال سنوات الصراع الأخيرة. مشيرًا إلى أن غياب الدولة فرض على القبيلة البروز كفاعل رئيسي، مستعرضاً أدوارها المزدوجة؛ فمن جهة عملت كأداة للضبط الاجتماعي وحل النزاعات من خلال "التحكيم القبلي" وتوفير الحماية البديلة، ومن جهة أخرى انخرطت كفاعل سياسي وعسكري أثّر بشكل مباشر على مسارات المشهد الحالي.
ورصد السعدي في ورقته الانتهاكات التي تعرضت لها القبيلة اليمنية في مناطق سيطرة المليشيا الحوثية، موضحًا أن الحوثيين قتلوا العديد من شيوخ القبائل حتى اولئك الموالين لهم وحاولوا بكل طاقتهم إنهاء القبيلة.
وفي المحور الثالث، قدم الباحث والناشط السياسي رامز الشارحي رؤية استشرافية حول آفاق بناء دولة مدنية حديثة في اليمن تتجاوز الانقسامات الراهنة.
وقال أن اليمن تراجعت نتيجة اختلال التوازن بين مركز السلطة ومراكز الإنتاج، حينما انتقل مركز الثقل السياسي إلى المرتفعات، وهو ما شكّل منعطفًا حاسمًا في تاريخ اليمن، إذ أعاد تشكيل بنية السلطة وأنماط المعرفة على حساب النموذج المدني، مضيفًا: تاريخيًا، كانت قوة اليمن ثمرة تكامل الجغرافيا والاقتصاد والمعرفة، لا انتصار منطقة على أخرى، وأن استقرار الدولة مرتبط بتطوير واستقرار مركزها الإنتاجي، وازدهار اليمن حدث حين أحسنت إدارة تنوعها الجغرافي داخل مشروع دولة، وتراجعت حين تحول هذا التنوع من مصدر قوة إلى ساحة صراع ونفوذ.
وأكد الشارحي أن التمدن لا يتعارض مع الهوية أو القيم الأصيلة، بل هو المسار الطبيعي لتطور المجتمعات، وما يعيق هذا المسار هو الصورة السلبية التي رُبطت بالمدنية كما تصوره بعض القوى، لذلك، فإن جوهر الأزمة في اليمن لا يكمن في القبيلة كمكوّن من مكونات الهوية، وإنما في تحويلها إلى نمط سياسي وثقافي مهيمن، تصبح معه الدولة والمجتمع أسيرين لمنطق العصبية والولاء الشخصي.
عقب انتهاء أوراق العمل، فُتح باب النقاش الذي شهد تفاعلاً كبيراً ومداخلات نوعية من الحاضرين والحاضرات من الأكاديميين والناشطين والصحفيين.
وتركزت النقاشات حول ضرورة تفكيك المفاهيم المغلوطة عن القبيلة، والبحث عن صيغ عملية للمواطنة المتساوية، مشددين على أن إرساء قيم الدولة المدنية لا يعني الصدام مع المكون القبلي، بل يتطلب استيعابه ضمن إطار قانوني يحمي الحقوق والواجبات.









