المعضلة الأكبر التي أطالت عمر الانقلاب الحـ.ـوثي هي هشاشة الحكومات المتعاقبة المعترف بها، إذ أن الكثير من مسؤولي الشرعية يفتقرون للإرادة والفاعلية، يعيشون حالة من الجمود، ويتعاملون مع المسؤولية بوصفها وظيفة روتينية، لا مهمة وطنية تتطلب الإبداع واقتحام الأزمات والبحث عن حلول، ولهذا لا نلحظ محاولات جادة لتغيير الواقع أو تحسين الأوضاع بشكل مقبول.
نعيش ضعف إمكانات رغم وجودها فعليًا، بسبب عدم وجود الإرادة وغياب الجرأة الوطنية لدى مسؤولينا، وقد رأينا كيف أوقف تهديد محدود من المليشيا الحـ.ـوثية لموانئ النفط في حضرموت وشبوة عملية التصدير، دون أن يكلف أصحاب القرار في الشرعية أنفسهم عناء البحث الجدّي عن حلول حقيقية تدفع نحو استمرار هذا المورد الرئيسي للبلد.. ظلوا في بوتقة الجمود، راكنين إلى الودائع والمساعدات، إلى الدور السعودي المساند لليمن، في الوقت الذي يفترض بهم أن يفكّروا خارج صندوق الاستسلام للواقع..!!
ولو نظرنا إلى تعز، نجد تجسيدًا حيًا لقوة الإرادة الشعبية قبل 11 سنة وغيابها لدى المسؤولين حاليًا. ففي عام 2015، حين كانت المليشيات تجتاح المحافظات وتلتهمها واحدة تلو أخرى، وقفت تعز بمقاومتها الشعبية سدًا منيعًا وحجرة عثرة حطمت أوهام التوسع لدى الانقلابيين، ولم تكن المدينة تمتلك ترسانة عسكرية تُذكر، إذْ قاتلت بالكلاشنكوف، لكنها امتلكت ما هو أهم: وجود شخصيات فاعلة ومبادرة، حملت الكلاشنكوف وحشدت الناس وتقدمت الصفوف دفاعا عن المدينة والكرامة والجمهورية.. ولو أن تلك الإرادة غابت حينها لكان المشهد اليوم مختلفًا تمامًا، ولربما تغيّر وجه البلاد بأكملها لصالح الكهنوت الحـ.ـوثي.
اليوم، تعز بحاجة لاستعادة تلك الروح في مضمار "الإدارة والخدمات".. المحافظة لا تحتاج إلى مسؤول ينتظر الحكومة لتعطيه، بل تحتاج إلى "محافظ مبادر" يطرق بنفسه أبواب الجهات العليا، يزعج الوزارات بالمتابعة، يجترح الحلول المحلية، وينشط في سبيل انتزاع حقوق أبناء تعز المحاصرين، ويكرس جهده من أجل استكمال التحرير..
وإذا أردنا دليلًا ملموسًا على أثر "شخصية المسؤول" في التغيير، علينا النظر إلى تجربة محافظة شبوة، وسنجد فارقًا شاسعًا بين مرحلتين، بين مرحلة المحافظ السابق محمد صالح بن عديو وبين المحافظ الحالي، ففي عهد بن عديو، رأينا كيف برزت ديناميكية واضحة في حركة التنمية وبوتيرة لافتة، وكيف أصبحت المحافظة نقطة قوة للمشروع الوطني، رغم الظروف السياسية المعقدة، والسر في ذلك كان في وجود مسؤول قرر أن يكون فاعلاً وصاحب إرادة، لا متكلاً.
وفي كل التجارب، سواء على مستوى الدول أو المحافظات أو حتى المؤسسات والقرى الصغيرة، تتكرر الحقيقة ذاتها: حيثما وجدت الإرادة وجدت النتيجة، وحيثما غابت حلّ الجمود بدلًا عنها..
كم من قرية تغير وجهها إيجابًا لأن فيها مجموعة شباب أصحاب روح مبادِرة؟
كم من مديرية تحولت إلى شعلة من الحراك التنموي لأن فيها من يرفض الاستسلام للروتين؟
وفي المقابل، كم من مجتمعات غارقة في التراجع ووحل الجمود، فقط لأن من يديرها اعتادوا على الدوران في نفس الحلقة المفرغة من الانتظار والاتكالية وإلف المأساة..؟!
إننا بحاجة لمسؤولين يملكون القدرة على الفعل، يقتحمون الأزمات، يضغطون، يحاولون، ويخطئون إن لزم الأمر، لكنهم لا يغرقون في وحل الجمود، ولا يقفون في موقع المتفرج، وعلينا أن نرفع أصواتنا من أجل ذلك، نصنع مسؤولين بحجم التحدي، وإلا سنظل أسرى واقع يصنعه العاجزون










