خطاب رئيس الجمهورية يغادر منطق المنتصر ويرسم خارطة طريق لليمنيين

أيار 21, 2026
خطاب رئيس الجمهورية يغادر منطق المنتصر ويرسم خارطة طريق لليمنيين مقال رأي - د. ألفت الدبعي

في ذكرى الوحدة الثانية والعشرين من مايو، اختار الرئيس رشاد العليمي ألا يتحدث بلغة الاحتفالات التقليدية، بل بجرأة القائد الذي يقرأ التاريخ كما هو، لا كما يتمناه. كان خطابه أشبه بمرآة وُضعت أمام اليمنيين جميعاً، تعكس جراح الماضي وحقائقه المريرة، لكنها تفتح أيضاً نوافذ المستقبل الواسعة. لم يكن خطاباً عادياً في مناسبة وطنية، بل وثيقة سياسية بامتياز، تنطق بحكمة نادرة في زمن يموج بالتناقضات والانقسامات.

لقد أقدم الرئيس على ما يخشاه الكثير من السياسيين: الاعتراف العلني بأن مشروع الوحدة تعرض "لانحرافات خطيرة أنتجت مظالم عميقة"، وأن إنصاف القضية الجنوبية ليس خياراً تكتيكياً، بل "جوهر أي تسوية عادلة" و"التزاماً ثابتاً لا رجعة فيه".

هذه الجرأة في التصريح بالحقيقة، في زمن يصر فيه كثيرون على التغني بالوحدة دون معالجة أسباب تآكلها، تمنح الخطاب مصداقية نادرة، وتضعه في مصاف الخطابات السياسية المؤسسة للمراحل الانتقالية الكبرى.

لكن الرئيس لم يكتفِ بالاعتراف بالمظالم، بل رسم خريطة طريق واضحة، تجمع بين الحزم والمرونة. في مشهد يذكرنا بأعتى لحظات المواجهة الوطنية، كشف الرئيس عن منعطف أمني خطير كاد يهدد مركز الدولة في المحافظات الجنوبية والشرقية، مشيداً بـ"الحزم والحكمة" وبالدعم السعودي الذي جنب البلاد "مسارات الفتنة والتشظي".

وفي خطوة تحمل رسالة مصالحة عظيمة، وجّه بإسقاط أوامر التوقيف بحق الشخصيات السياسية والمدنية التي لم تتورط في جرائم كبرى، قائلاً للجميع: "لتظل الجمهورية اليمنية وطناً يتسع لكل أبنائه، وباباً مفتوحاً لكل من يعود إلى صف الدولة والقانون".

هذا هو جوهر الحكمة السياسية التي يحتاجها اليمن اليوم: لا انتقام ولا مكابرة، بل إنصاف وشراكة حقيقية. إن ما ورد في الخطاب من رؤية استراتيجية مكونة من ست نقاط، بدءاً بمواصلة الحرب على الحوثيين واستناداً إلى المرجعيات الثلاث، وصولاً إلى الاندماج التدريجي في المنظومة الخليجية، يشكل ميثاقاً وطنياً جديداً لا يمكن لأي مكون وطني أن يتجاهله أو يتجاوزه دون أن يتحمل تبعات تعطيل فرصة تاريخية قد لا تتكرر.

خطاب اليوم يحمل رسائل موجّهة إلى الشمال والجنوب، وإلى اليمنيين جميعاً بكل مكوناتكم السياسية والاجتماعية: أن يمدوا جسوراً من الإنصاف والعمل المشترك. يقرّ بالحقوق، ويعترف بالمآسي، بل يفتح الطريق لمستقبل تتساوى فيه المواطنة والحقوق والواجبات. مثل هذا الخطاب يجب الالتفاف حوله بعقلية الشركاء لا الخصوم، والمطلوب التفرغ لمواجهة "المشاريع الصغيرة الانتهازية" ومشروع الميليشيا المدعوم من إيران. فالرجل يقولها صريحة: "إن انهيار الدولة لن ينجو منه أحد". في هذه اللحظة الفارقة، أمامكم خياران: إما أن تبنوا معاً دولة الإنصاف والعدالة التي وعد بها هذا الخطاب، أو تبقوا أسرى حروب الماضي وغرائز الانقسام.

Rate this item
(0 votes)
LogoWhitre.png
جميع الحقوق محفوظة © 2021 لموقع تعز تايم

Design & Developed by Digitmpro