في زمن أصبحت فيه المهنة أحياناً مجرد عمل، يبقى بعض الأطباء نموذجاً لافتا للإنسانية قبل الاحتراف، ومن هؤلاء الدكتور بشار، الجراح السوري المتخصص في جراحة المخ والأعصاب، الذي يُعد من الأطباء المهمين الذين عملوا في اليمن خلال السنوات الماضية.
لم يكن الدكتور بشار طبيباً بارعاً فحسب، بل كان إنساناً قريباً من المرضى، متواضعاً في تعامله، حريصاً على الاستماع لكل سؤال، ولا يمل من تقديم المشورة مهما تكررت الطلبات.
عن تجربة شخصية، تواصلت معه ليس مرة واحدة أو مرتين أو عشر مرات، بل تواصلت عشرات المرات للاستشارة الطبية لي ولحالات أخرى، بعضها حالات حرجة، ولم أجد منه إلا التجاوب واللطف والاهتمام.
أحياناً كنت أشعر بالحرج من كثرة اللجوء إليه، لكن حرصي على أخذ رأيه كان بسبب ثقتي الكبيرة باحترافه، ومع ذلك كان يقابل كل استشارة بصدر رحب وذوق رفيع.
وأذكر موقفاً لا يُنسى، حين أصيب أحد الأصدقاء فجأة بالشلل الذي أدى إلى فقدانه الحركة في الأطراف السفلية، وتنقل من طبيب إلى آخر، وتنوعت التشخيصات التي أربكت المريض؛ فبعضهم قال اعتلال عصبي، وآخرون قالوا إنه فيروس غيلان باريه، بل إن بعضهم – للأسف – أخبر المريض بكلمات قاسية كادت تحطم معنوياته قائلاً له: "حالتك ميئوس منها".
لكن الدكتور بشار كان الطبيب الوحيد الذي شخّص الحالة بدقة ومنحه الأمل، مفيدا بأن السبب ورم غير خبيث يضغط على الحبل الشوكي وبحاجة إلى تدخل جراحي.
كان البيطار مستعداً لإجراء العملية بنفسه، لكن صديقي كان قد استعد من أجل السفر إلى مصر ، وهناك أكد الأطباء نفس التشخيص الذي توصل إليه الدكتور بشار، وأُجريت العملية بنجاح، وهو الآن عاد إلى حالته الطبيعية بعد أن تدرج في المشي على عكازين، ثم عكاز واحد، وقد عاد إلى المشي الكامل بدون أي عكاز أو عصا.
في أبريل ٢٠٢٣ بدأ الدكتور بشار العمل في مستشفى الثورة بتعز، وكان قد عمل قبلها في صنعاء منذ سبتمبر 2022.
ويفيد بأنه بدأ العمل مجانا في تعز قبل توقيع العقد وقبل الاتفاق على المرتب، و خلال أقل من 24 ساعة من وصوله إلى تعز، افتتح عمله بمعالجة مصاب جراء حادث مروري في هيجة العبد، وكانت الحالة بحاجة لجراحة منذ 4 أيام قبل وصوله ولم يكن هناك طبيب قادر على إجراء تلك الجراحة المعقدة.
أخبرني أنه أجرى في مستشفى الثورة بتعز ما يزيد عن 200 عملية جراحية، تراوحت بين العمليات الإسعافية الناجمة عن إصابات الرأس والعمود الفقري والأعصاب المحيطية، والعمليات المبرمجة كأورام الدماغ والأعصاب المحيطية، وحالات العمود الفقري كالانزلاق الغضروفي وتثبيت الفقرات وحالات انزلاق فقرات الرقبة.
ويتذكر أنه خلال هذه الفترة، وثقت سجلات المستشفى آلاف المراجعين إلى عيادة المخ والأعصاب، ومئات المقبولين تحت المتابعة في وحدة العناية المركزة، وشهدت هذه المرحلة نقلة نوعية وازدهاراً في شعبة جراحة المخ والأعصاب لم يكن معهوداً منذ مغادرة البعثات الألمانية بداية الحرب.
وكانت هذه الفترة بمثابة طفرة في عدد من يتلقون الخدمة ونوع العمليات التي لم يكن من الممكن إجراؤها إلا خارج الوطن بعد مغادرة البعثة الألمانية، وفقا للجراح بشار.
ويرى الدكتور بشار أن هذه المرحلة تميزت بسرعة الاستجابة وجودة الخدمة، كما ساهمت في تخفيف العبء عن المواطنين.
يشدد على أنه كان يحرص على إجراء الجراحات بأسعار رمزية خاضعة للتخفيضات، وفي الكثير من الحالات الإنسانية كان يجري الجراحة مجاناً مساعدة للمرضى.
وبعد مرور نحو عام على مغادرته اليمن، مازال الطبيب بشار يشيد بالعمل مع الزملاء في المستشفى والأصدقاء، والنسيج المجتمعي التعزي الذي يقول إنه شعر بالانتماء إليه رغم التقصير الواضح في الاهتمام بمستحقاته.
ويفيد بأنه ما زال حتى اليوم يقدم خدماته والاستشارات عن بعد بشكل شبه يومي وفاءً لأهل تعز الحبيبة.
هذا المقال كتبته بدافع الوفاء لهذا الطبيب المتعاون، ومن باب نشر القيم الإيجابية والأعمال النبيلة لبعض الأشخاص، تأكيدا على أن الدنيا مازالت بخير وأن ثمة مواقف ينبغي لنا الإشادة بها كي يقتدي بها الآخرون.
نقلا عن محمد السامعي










