الغوغائية الرقمية في السياق اليمني

حزيران/يونيو 01, 2026
الغوغائية الرقمية في السياق اليمني مقال رأي - طاهر شمسان

الغوغائية الرقمية هي أسلوب في صناعة المحتوى يعتمد فيه الصانع الغوغائي على مخاطبة العواطف والغرائز، وإثارة الغرور أو الخوف والتعصب لدى الجماهير، بدلاً من استخدام المنطق والحجة والدليل العلمي. فبينما يخاطب المفكر العقلاني "عقل" القارئ ويطالبه بالهدوء والتفكير، يخاطب الغوغائي "دم" المشاهد ويطالبه بالصراخ والغضب. وهدف الغوغائي الرقمي ليس نشر الحقيقة أو الوعي، بل كسب التأييد الأعمى، وحصد المشاهدات، والتفاعل بأي ثمن.

وفي السياق اليمني تختلف مشارب الغوغائيين وخلفياتهم (من الناشط السياسي، إلى الكاتب النخبوي، إلى صانع المحتوى الجماهيري)، لكنهم جميعا يتشابهون في معظم الآليات والأدوات التي يداعبون بها وعي الجماهير وعواطفها. وفيما يلي بضعة نماذج تنتمي إلى الغوغائية الرقمية في السياق اليمني سنعمل على تفكيكها لنرى كيف تتجلى هذه الغوغائية في خطاباتهم:

أولا: الغوغائية السوقية / الشوارعية:

إذا استثنينا مصطفى المومري، فإن النموذج الكلاسيكي الصاخب لهذا النوع من الغوغائية يمثله جلال الصلاحي. والآلية الغوغائية المعتمدة عند هذا الرجل هي: السباب والشتائم، واللغة السوقية، واستثارة الانفعالات والغرائز الحادة، وتسطيح القضايا العامة المعقدة. وللصلاحي جمهور كبير يصفق له، ليس لأنه يقدم حلولاً، بل لأنه يشبع رغبة الانتقام اللفظي لدى أفراد جمهوره.

هجوم الصلاحي ضد "مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية":

صدَّر جلال الصلاحي فيديو ضد "مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية" والقائمين عليه جمع فيه بين "غوغائية التخوين" و"تصفية الحسابات السياسية عبر الشارع الرقمي". وعند قراءته تحليليا، نجد أن الفيديو يتحرك وفق آليات الغوغائية الرقمية المعتادة، ويمكن تلخيص خطورته وأبعاده في النقاط التالية:

1. تحويل الصراع الفكري والمؤسسي إلى "ردح رقمي".

"الردح الرقمي" هو تحويل منصات التواصل الاجتماعي إلى ساحات للمشاجرات اللفظية وتصفية الحسابات الشخصية بالصراخ والابتذال البصري واللفظي على غرار ما يجري في حارات بيوت الصفيح.

والمعروف عن مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية أنه مركز أبحاث يمني يقدم تحليلات سياسية واقتصادية ومقترحات سياساتية يتعامل معها المجتمع الدولي والمحلي بجدية (سواء اتفقتَ مع خطه الفكري أو اختلفت). وبدلاً من نقاش تقارير المركز بنقد علمي ومؤسسي داحض، أو تفنيد تحليلاته بأوراق بحثية مقابلة، لجأ الصلاحي إلى أسلوبه المعتاد (الشخصنة الكاملة؛ الشتائم؛ الاتهامات). وكغوغائي سوقي، لا يمتلك جلال الصلاحي أدوات نقاش "التقرير البحثي"، لذلك رأيناه يذهب إلى مهاجمة "شخص الباحث" أو "إدارة المركز".

2. العزف على وتر "العمالة والتمويل الأجنبي".

في بيئة الحروب والأزمات، تعد تهم "العمالة للخارج"، و"التمويل المشبوه"، و"بيع الوطن" هي البضاعة الأكثر رواجاً والأسهل تسويقاً لدى العوام، لأنها لا تحتاج إلى إثبات، بل تحتاج فقط إلى "صوت عالٍ" يلقيها. وفي فيديو الصلاحي يتناسى الخطاب الغوغائي أن مراكز الأبحاث والدراسات في كل العالم، وفي اليمن، تعتمد على منح وتمويلات من منظمات دولية أو مؤسسات مانحة لتمويل أنشطتها وطباعة كتبها وتدريب باحثيها. لكن الغوغائي يصور هذا التمويل للمشاهد البسيط على أنه "مؤامرة سرية في الغرف المظلمة لبيع البلاد"، مستغلاً عدم معرفة المواطن العادي بآليات عمل منظمات المجتمع المدني ومراكز الفكر.

3. ملء الفراغ في ظل غياب "قوانين الصحافة والنشر" الرَّدعية.

تعود جرأة الصلاحي على التشهير العلني بمركز بحثي وأشخاص بأسمائهم وصفاتهم إلى غياب الرقابة القانونية ومؤسسات الدولة. ففي وضع طبيعي، يُمثّل الفيديو الذي صدَّره هذا الرجل قضية "سب وقذف وتشهير متعمد" تستوجب الملاحقة القضائية الفورية والتعويض المالي والمعنوي. لكن في ظل الانقسام اليمني وتواجد معظم صناع المحتوى الغوغائي خارج البلاد (في بيئات رقمية مفتوحة)، تصبح المنصات ساحة مستباحة لا يحكمها قانون، ويتحول فيها الطعن في الأعراض والذمم إلى "مادة للترفيه الرقمي" وجمع المشاهدات.

4. صناعة "ذعر أخلاقي وسياسي" لتوجيه القطيع.

إن الهدف من الفيديو ليس "كشف الحقيقة" كما يدعي الصلاحي، بل هو تدمير السمعة المعنوية لمؤسسة مدنية وللقائمين عليها أمام الشارع اليمني، من خلال تصويرهم كـ "متربحين من دماء اليمنيين". وبهذا الأسلوب يستهدف هذا الغوغائي إرعاب أي صوت عقلاني أو بحثي يمني يحاول تقديم قراءات محايدة أو مستقلة للأزمة، وإيصال رسالة مفادها: "من سيتحدث خارج مربع الشحن والتحريض، سنقوم بسحله رقمياً وتخوينه علناً".
إن فيديو جلال الصلاحي ضد "مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية" هو تطبيق عملي ل"بلطجة المنصات"، واستغلال رخيص لغياب الدولة من أجل ضرب مؤسسة بحثية يمنية بأدوات سوقية وشوارعية.

والخطورة هنا ليست في شخص الصلاحي، بل في أن محتوى الفيديو الذي صدره يعيد صياغة وعي المتابع اليمني ليصبح كارهاً لكل ما هو علمي ومؤسسي وبحثي، وممجداً لكل ما هو صاخب ومبتذل وخالٍ من القيمة.
هجوم الصلاحي على القاضية اشراق المقطري.

نحن هنا أمام فيديو ينقلنا إلى المربع الأكثر قتامة في الغوغائية الرقمية، وهو مربع الغوغائية الذكورية والابتذال الأخلاقي باسم الحشمة. فعندما يعجز الغوغائي عن مقارعة الحجة بالحجة، أو مناقشة الأداء السياسي والحقوقي لامرأة بمستوى القاضية والمحامية إشراق المقطري، فإنه يهرب فوراً إلى السلاح الأسهل والأكثر وضاعة في المجتمعات المحافظة: (مهاجمة جسد المرأة، وملابسها، والتشهير بمظهرها). وعند تفكيك الأبعاد الكارثية لهذا الفيديو نرصد ما يلي:

1. التستر خلف "الوعظ الزائف" لممارسة البلطجة الرقمية.

يعلم الصلاحي أن المجتمع اليمني مجتمع محافظ وحريص على العادات والتقاليد. لذلك، هو لا يهاجم إشراق المقطري كمسؤول أو كوزير شؤون قانونية وحقوق إنسان، بل يختزل كل كيانها وتاريخها وقيمتها المهنية في قطعة قماش (السروال)، مدعياً الغيرة على قيم المجتمع. وهذا "وعظ زائف" وقناع يرتديه ليمارس من خلفه البلطجة الرقمية والتنمر العلني، محولاً لحظة سياسية ودستورية رسمية (تأدية اليمين) إلى مادة للسخرية والغمز واللمز.

2. صناعة مصطلحات التجهيل ("المسرولات").

يحاول الغوغائي صك مصطلحات ساخرة ومبتذلة (مثل "المسرولات") لتصبح "تريند" يتداوله العوام دون تفكير. والملاحظ على هذا "المصطلح" أنه يحمل في طياته قمعاً وإرهاباً فكرياً واجتماعياً لكل امرأة يمنية مؤهلة علميا وطموحة تحاول الوصول إلى مراكز صنع القرار. والغرض من ذلك إيصال رسالة للمجتمع بأن وجود المرأة في السياسة هو "خروج عن الحشمة" و"تقليعة غربية"، حتى وإن كان لباسها محتشماً وفضفاضاً ورسمياً ولا يخالف ديناً ولا عرفاً.

3. إفلاس النقد السياسي واستهداف النموذج النسائي.

جاءت القاضية إشراق المقطري من خلفية حقوقية صلبة، وكان الأجدر بأي ناقد سياسي أو إعلامي أن يناقش برنامجها الوزاري، أو كفاءتها القانونية، أو مواقفها من القضايا الوطنية. لكن الغوغائي يفلس تماماً أمام الكفاءة، لأن الكفاءة تحتاج إلى عقل لمناقشتها، بينما "السروال" يحتاج فقط إلى غرائز وإيحاءات وتلميحات تثير ضحك المتابعين في التعليقات. وهذا استهداف ممنهج يسعى إلى تطفيش وتنفير الكفاءات النسائية من المشهد العام، وإبقائه حكراً على أصوات الصراخ والسَّب الذكوري.

4. تجارة "اللايكات" على حساب الأعراض والكرامة.

يعلم جلال الصلاحي، ومن هم على شاكلته، أن الفيديوهات التي تحتوي على تنمر وتشهير بالنساء تحقق نسب مشاهدة وتفاعل عالية (تعليقات، مشاركات، وجدل). لذلك نراه يبيع كرامة الناس وأعراضهم في سوق "الخوارزميات" ليقبض الثمن دولارات من منصات المشاهدة. وهذه تجارة رخيصة تقتات على هدم القيم الحقيقية للمجتمع (الشهامة، والمروءة، واحترام المرأة) بدعوى الدفاع عن المظهر والشكل.

وخلاصة القول في هذه الجزئية: سخافة مصطلح "المسرولات" والتنمر على ملابس وزيرة محتشمة، يوضح كيف تحول غياب الرقابة والقانون إلى "مجزرة معنوية يومية" تُرتكب بحق كل قامة فكرية أو سياسية أو حقوقية في اليمن، فقط لأنها لا تشبه الغوغائيين ولا تنحدر إلى مستواهم.

ظهور عثمان مجلي جالسا وبجانبه الغوغائي جلال الصلاحي.

شاهدت ذات يوم فيديو ظهر فيه عضو مجلس القيادة الرئاسي عثمان مجلي على منصة مع آخرين يشاهدون فعالية بدا لي أنها كانت رسمية (والله أعلم). والملفت في الصورة أن غوغائيا رقميا يقتات على السحل المعنوي اسمه جلال الصلاحي كان في المنصة نفسها جالسا مباشرة إلى جانب عثمان مجلي وكأنه ضيف كبير في ديوان هذا الأخير. وفي تلك اللحظة أدركت أن الأمر ليس مجرد هفوة بروتوكولية وإنما سقوط سياسي مدمر لرمزية الدولة وشرعيتها.

إنني أتحدث عن مشهد يحتاج إلى نقد لاذع وقراءة عميقة وتفكيك للأبعاد الكارثية التي أرسلها رجل في قمة الهرم السلطوي عندما منح شرعيته لصوت شوارعي مبتذل. وفيما يلي أسجل ملاحظاتي النقدية في عدة نقاط محورية:

1. شرعنة الابتذال وهدم هيبة رجل الدولة.

عندما يجلس مسؤول برتبة "عضو مجلس قيادة رئاسي" – وهو المنصب الذي يُمثّل سيادة البلد وأعلى سلطة تنفيذية– بجانب شخص يصنع محتواه من الشتائم، والإساءات، والتنمر، فإنه عمليا يقوم بـ "مأسسة الغوغائية".
والنقد هنا موجه لعثمان مجلي لأنه بذلك الظهور قال للمجتمع، بوعي أو بدون وعي: "نحن كدولة نبارك الغوغائية، وهذا الشخص يُمثّلنا أو يُمثّل صوتاً مقبولاً لدينا". وبذلك يكون قد سحب البساط مما تبقى من "وقار" وهيبة لرجل الدولة، وجعل السلطة تبدو وكأنها تحتمي ب"التريند" الرقمي بدلاً من الاحتماء بالقانون والمؤسسات.

2. انتهازية سياسية ومحاولة "ركوب موجة" الشارع الرقمي.

كشف ذلك الظهور عن عقدة نقص يعاني منها بعض رجالات النخبة السياسية؛ فهم يشعرون بالعزلة عن الشارع ويفتقرون إلى الحاضنة الشعبية الحقيقية على الأرض بسبب الفشل الإداري. وبدلا من أن يبني عثمان مجلي رصيده الشعبي عبر الإنجازات، وتفعيل الرقابة، وحل مشاكل المواطنين، رأيناه يلجأ إلى "غوغائي رقمي" في محاولة بائسة لخطب ود ذبابه الإلكتروني. إنها انتهازية سياسية واضحة؛ المسؤول يريد استخدام "ملايين المشاهدات" التي يمتلكها الغوغائي لترميم صورته الشخصية، والغوغائي يستخدم "الصورة الرسمية" كحصانة تمنحه الضوء الأخضر للاستمرار في بلطجته الرقمية.

3. طعنة في ظهر الكفاءات الوطنية.

كيف يشعر القاضي، والباحث، والوزير المحترم، والضابط الملتزم بالقانون، وهم يرون عضواً في مجلس القيادة الرئاسي يبتسم ويلتقط الصور مع من يسحلهم لفظياً وينتهك كرامتهم يومياً على الشاشات؟ إن المسئول هنا يوجه رسالة مدمرة لكوادر الدولة مؤداها "نحن لا نحترم التزامكم أو تخصصكم؛ نحن نحترم فقط من يمتلك كاميرا وصوتاً عالياً ويستطيع حشد الغوغاء". هذا التصرف يُحبط المصلحين الحقيقيين ويُشعرهم بأن دولتهم تخلت عنهم لصالح "مهرجي السوشيال ميديا".

4. إقرار بالهزيمة المؤسسية وصناعة "مراكز قوى بديلة".

إن قيام مسؤول رسمي بتقريب صناع المحتوى الغوغائي يُعد اعترافاً ضمنياً من السلطة بعجز أدواتها الإعلامية والمؤسسية الرسمية. وبدلا من أن تقوم مؤسسة الرئاسة بتفعيل القوانين الرادعة للتشهير، والسب، والقذف الإلكتروني، وحماية المواطنين والشخصيات العامة من الابتزاز الرقمي، نرى أحد قادتها يقدم الدعم المعنوي لرأس الحربة في هذا الابتزاز. وعثمان مجلي هنا يساهم في تكريس "قانون الغاب الرقمي" ويصنع من هؤلاء الناشطين "مراكز قوى" تبتز الوزراء والمؤسسات، لعلمهم أنهم يحظون برضا وصداقة الكبار في السلطة.

وخلاصة القول في هذه الجزئية: إن جلوس عثمان مجلي مع جلال الصلاحي في إطار رسمي هو تجسيد للمقولة الشهيرة: "حين يعجز رجل الدولة عن الارتقاء بالشارع إلى مستوى المسؤولية، ينزل هو إلى مستوى الغوغاء". لقد فرّط مجلي بوقار المنصب، وباع كرامة المؤسسات التي يمثلها من أجل "لقطة رقمية" عابرة، ليثبت أن النخبة السياسية، في كثير من الأحيان، هي التي تغذي الغوغائية وتمنحها الحصانة، ثم تتباكى بعد ذلك على غياب هيبة الدولة!

ثانيا: غوغائية الصدمة والتحول الزئبقي:

هذا النوع من الغوغائية يمثله عن جدارة علي البخيتي من خلال اللعب على حبال الأيديولوجيا والتناقضات الحادة، واستفزاز المعتقدات والموروثات الاجتماعية والدينية للمجتمع بشكل صادم وفج، ليس بهدف التنوير أو النقد العلمي، بل لإثارة ردود أفعال غاضبة تضمن تدفق "المشاهدات" وتصدر "التريند". وبهذه الطريقة يقتات البخيتي على غضب خصومه وعلى تصفيق مؤيديه في وقت واحد، أو قل يصطاد عصفورين بحجر. أما الآلية الغوغائية المعتمدة لديه فهي الانتقال من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، ومن الدفاع المستميت عن فكرة إلى الهجوم الشرس عليها. والهدف الغوغائي الذي يتوخاه البخيتي من إثارة الجدل هو البقاء في دائرة الضوء على نحو دائم.

ثالثا: غوغائية التجييش والعدالة الشعبوية:

يندرج هذا النموذج تحت غوغائية التشهير وإثارة الذعر الأخلاقي. وهو بهذا المعنى النموذج الأكثر خطرا. أما الآلية الغوغائية المعتمدة فهي استخدام القضايا الجنائية الحساسة والأخلاقية وصناعة "محاكمات" في الفضاء الافتراضي قبل أن يقول القضاء الرسمي كلمته. وأنا هنا أشير إلى عادل الحسني في الفيديو الذي صدَّره مؤخرا مَبْنياً على شحن عاطفي مرعب (اغتصاب طفل) لاستثارة غضب فطري لدى الناس.

لقد لعب عادل الحسني على العاطفة واستدعى ضجيجاً تجاوز به القضية الإنسانية ذاتها لتصفية حسابات سياسية أو مناطقية ضد الطرف الذي ينتمي إليه المتهم. وبهذا يكون الغوغائي قد نصب نفسه قاضياً وجلاداً، وألغى بوعي أو بدون وعي مبدأ "المتهم بريء حتى تثبت إدانته"، محولاً الرأي العام إلى "قطيع" يطالب بالسحل والدم دون تثبت قانوني.

وسواء كان الفيديو الذي صدره الحسني حقيقياً أو مفبركاً (وهذا عمل جهات التحقيق والقضاء الفني لإثباته)، فإن قيامه بنشر فيديو يظهر فيه طفل في سياق تهمة ك"التحرش أو الاغتصاب" هو جريمة بحد ذاته بحق الطفولة، وفعل منزوع من أي مسؤولية أخلاقية أو مهنية. وفيما يلي سنحاول تفكيك المخاطر والأضرار الكارثية التي أحدثها نشر مثل ذلك الفيديو على الطفل ومستقبله وسمعة أسرته:

1. التدمير النفسي المستدام للطفل (اغتيال الطفولة).

الطفل في العمر الذي بدا عليه لا يدرك أبعاد الصراعات السياسية أو تصفية الحسابات الإعلامية، لكنه يدرك جيداً نظرات الخوف، والشفقة في عيون من حوله، وتحويل وجهه وجسده إلى "مادة تريند" مشاعة لملايين البشر يعني الحكم عليه ب"وصمة" نفسية سترافقه طوال حياته. وفي حال تعافى الطفل جسدياً أو نفسياً مما حدث، فإن بقاء ذلك الفيديو متداولاً على الإنترنت يضمن إعادة إنتاج الصدمة له كلما كبر وشاهد نفسه، أو كلما ذكّره أحد به، مما قد يؤدي إلى اضطرابات نفسية حادة (انطواء، أو تدمير كامل لتقديره لذاته).

2. قتل "المستقبل الاجتماعي" للطفل.

عندما يكبر هذا الطفل، ويبدأ في الاختلاط بالمجتمع، والذهاب إلى المدرسة، ثم الجامعة، والبحث عن عمل، أو الإقدام على الزواج؛ سيبقى هذا الفيديو شبحاً يطارده. ذلك أن الغوغائي الذي نشر الفيديو حصد المشاهدات ومضى لموضوع آخر، لكنه ترك للطفل "أرشيفاً رقمياً" ملوثاً يدمر علاقاته المستقبلية وفرصه في حياة طبيعية مستقرة، لمجرد أن أحداً لم يكلف نفسه عناء إخفاء وجه الطفل أو حجب هويته.

3. السحق المعنوي والاجتماعي لأسرة الطفل.

في مجتمع محافظ وشديد الحساسية تجاه القضايا الأخلاقية والشرفية كالمجتمع اليمني، فإن نشر هذه التفاصيل يُمثّل حكماً بالإعدام الاجتماعي على الأسرة بالكامل، حيث تصبح الأسرة عاجزة عن مواجهة جيرانها أو معارفها بسبب "الخجل الاجتماعي" المرتبط بالقضية، وقد تضطر عائلات كثيرة في مثل هذه الحالات إلى ترك منازلها، أو نقل أطفالها من المدارس، أو الهجرة إلى مدن أخرى للهروب من نظرات المجتمع القاتلة.

ثم أن شحن الشارع عاطفياً عبر الفيديو قد يدفع بعض الأقارب أو أفراد المجتمع المحيط بالأسرة (تحت تأثير الغضب الأعمى) إلى اتخاذ ردود فعل عنيفة أو طائشة تضر بالطفل أو أسرته، بدلاً من ترك الأمر للقانون.

خلاصة القول في هذه الجزئية: أن الغوغائية الرقمية لا تقيم وزناً لكرامة الإنسان، ولا تحمي طفولته، ولا تحترم عائلته؛ فكل شيء عند هذه الغوغائية مباح وقابل للبيع والتشهير من أجل شعبوية زائفة على حساب حطام النفوس والعائلات.

رابعا: غوغائية التشتيت والدعاية الموجهة:

وأقرب مثال على هذا النوع من الغوغائية هو نصر الدين عامر في الفيديو الذي صدره عن قضية "ميرة صدام حسين" واعتمد فيه على التقاط قصة مثيرة للجدل وإقحامها تعسفيا في الخطاب الرسمي أو الإعلامي الموجه. والهدف الغوغائي من وراء ذلك الفيديو هو تشتيت انتباه الرأي العام ب"فرقعة" إعلامية تشحن المتابعين عاطفياً لينسوا تفاصيل واقعهم المعيشي.

خامسا: غوغائية النخبة وتزييف الوعي التاريخي:

هذا النموذج يثبت أن هناك غوغائية " نخبويّة" ترتدي ثوب الثقافة واللغة الأنيقة. فعندما يكتب مثقف أو وزير سابق بأن حرب 1994 (بكل ما خلفته من جروح سياسية واجتماعية واقتصادية غائرة ما زال اليمن يدفع ثمنها حتى اليوم) كان هدفها مجرد "توحيد الجيش"، فهذا تسطيح مخل وتزييف واعي للتاريخ لصالح سردية سياسية معينة. وأنا هنا أقصد وزير الثقافة السابق خالد الرويشان.

لقد كتب الرويشان مقالا عن حرب 1994 داعب فيه عواطف تيار سياسي أو شعبي معين، بهدف إرضاء "الجمهور الخاص به" على حساب القراءة النقدية الشجاعة والمنصفة للتاريخ. وخطورة هذا النوع من الغوغائية أنها تُشرعن الأخطاء الكارثية وتبسطها للعامة وكأنها "إجراءات إدارية عادية"، متجاهلةً الأبعاد العميقة للأزمات الوطنية.

سادسا: غوغائية الشعبوية المهنية (غوغائية المخلص):

يمثل هذا النموذج جراح العظام الدكتور ماجد الخزان. وخطورته تكمن في أنه ينطلق من "قضايا عادلة ربما بنسبة 100%" (وهي جشع بعض الأطباء والمستشفيات الخاصة، واستغلالهم لآلام الفقراء)، لكن الرجل يعالجها بـأدوات "غوغائية تدميرية". وفيما يلي سنحاول تفكيك أبعاد هذه الظاهرة في فيديوهات الدكتور ماجد الخزان:

1. قناع "المخلّص" واللعب على أوجاع البسطاء:

الخطاب الغوغائي الذكي لا يبدأ من باطل، بل يبدأ من "حق" يلمسه الناس في حياتهم اليومية. فالمواطن اليمني المنهك اقتصادياً يعاني الأمرين عند دخول أي مستشفى خاص من الفواتير الفلكية، والفحوصات غير الضرورية، وتجارة الدواء.

وفي هذا السياق تعبر الآلية الغوغائية عن نفسها بظهور الدكتور الخزان في ثوب "الملاك الحارس" أو "المخلّص الوحيد" الذي يمتلك الشجاعة لتعرية زملائه. ومن غير شك يمنحه هذا التموضع حصانة فورية ضد النقد لدى العوام؛ فمن يجرؤ على انتقاده سيُتهم فوراً بأنه "يدافع عن الفساد والجشع".

2. آلية التشهير الفردي بدلاً من نقد المنظومة:

بدلاً من أن يوجه جراح عظام نقده نحو "غياب الرقابة الحكومية"، أو "ضعف القوانين واللوائح الطبية"، أو "غياب التأمين الصحي" (وهي الجذور الحقيقية للمشكلة)، نراه يلجأ إلى التشهير بأسماء أطباء أو منشآت بعينها وتحويل القضية من خلل هيكلي في القطاع الصحي إلى "معارك شخصية" وتصفية حسابات داخل المهنة الواحدة.
ومن غير شك أن التشهير بالأسماء يضمن "تريند" أسرع ومشاركات أوسع، لأن الجمهور يعشق الفضائح والأسماء المحددة، بينما النقاش المؤسسي حول القوانين يبدو "مملاً" للخوارزميات وللعامة.

3. خطيئة "التعميم" وتأليب المجتمع ضد الطبقة الطبية:

أخطر ما في هذا الأسلوب الغوغائي هو صناعة "شيطنة جماعية" لمهنة من أقدس المهن، وفي توقيت يعيش فيه البلد انهياراً شبه كامل. فالفيديوهات بصياغتها الانفعالية تخلق انطباعاً عاماً لدى المشاهد البسيط بأن "كل الأطباء مصاصو دماء"، وهو ما يزعزع الثقة تماماً بين المريض وطبيبه. والنتيجة الكارثية لهذه الغوغائية أن التأليب المستمر يفتح الباب على مصراعيه لـ "العدالة الشعبوية" في الشارع. فحين يتم شحن الناس عاطفياً ضد الأطباء، يصبح الاعتداء اللفظي والجسدي على الطبيب والممرض، داخل المنشأة الصحية أو خارجها، أمراً مبرراً في نظر الغوغاء، وكأنهم يأخذون ثأرهم من "الطبقة المستغِلة".

4. غياب البديل العلمي والعملي:

يصرخ الخزان دائما، ويشير إلى الخطأ، لكنه لا يقدم حلاً قابلاً للتطبيق. ولو أنه صاحب هدف "إصلاحي بحت"، لكانت الملفات، التي يصدرها عبر الفيديوهات، تُرفع، مدعومة بالوثائق الطبية، إلى نقابة الأطباء، أو وزارة الصحة، أو النيابة العامة لضبط المخالفين قانونياً. لكن عرضها بأسلوب مثير على وسائل التواصل الاجتماعي يثبت أن الهدف ليس "الإصلاح" وإنما الاستثمار في مظلومية الناس وجمع وتوجيه "الجيش الرقمي" من المتابعين لخدمة الحضور الشخصي للصانع.

وإذا كان "جلال الصلاحي" يمثل غوغائية الشارع العفوية الفجة، فإن "ماجد الخزان" يمثل غوغائية "النخبة المهنية". إنه طبيب يعرف بدقة مواطن الألم، وبدلاً من أن يستخدم مبضعه الجراحي لمعالجة الخلل الطبي بحكمة، فضّل استخدام "كاميرا الهاتف" ليحصد التصفيق مقابل تدمير ما تبقى من ثقة بين المجتمع والطبابة. وفي ختام هذه الجزئية أسأل الدكتور الخزان: لماذا لا تهتم بانهيار الخدمات الصحية في المستشفيات الحكومية التي أصبحت مقرات دائمة لعزرائيل؟

التخادم بين الغوغائي الرقمي وتدني وعي المتلقي.

العلاقة بين الغوغائية الرقمية وتدني الوعي القانوني لدى المتلقين هي علاقة "تخادم وتبادل منافع"؛ فكل طرف منهما يغذي الآخر ويسهم في بقائه واستمراره. الغوغائي يجد في تدني الوعي القانوني عند المتلقي بيئة خصبة لترويج بضاعته القذرة، والمتلقي الذي يفتقر إلى الثقافة القانونية يجد في الغوغائي "البطل" الذي يشفي غليله ويفسر له العالم ببساطة مخلة. وناتج هذا التخادم هو التدمير الممنهج لعقلية المجتمع. وفيما يلي سنحاول تفكيك آليات ومخاطر هذا التخادم.

1. تغذية غريزة "العدالة الشعبوية" بدلاً من "المؤسسية".

حينما يكون الوعي القانوني عند المتلقي معدوما أو متدنيا فإنه لا يدرك أهمية إجراءات التقاضي والتحقيق وجمع الأدلة، بل يرى في هذه الإجراءات "هدرا للوقت ومماطلة وفسادا". ومن جانبه يستغل الغوغائي استعجال المتلقي وجهله بالإجراءات فيختزل إجراءات التقاضي في مقطع فيديو مدته خمس دقائق ينصب فيه نفسه قاضيا وجلادا في وقت واحد. وهذه عملية تخادم من خلالها يوفر المتلقي الجاهل للغوغائي "شرعية شعبية" لإصدار الأحكام وسحل المتهمين معنويا. وفي المقابل يُشبع الغوغائي رغبة المتلقي في رؤية "عدالة فورية وسريعة" حتى وإن كانت ضارة وظالمة ومنتهكة للقانون.

2. جهل المتلقي بمبدأ "قرينة البراءة" وسهولة التشهير.

هناك مبدأ قانوني ودستوري مقدس مؤداه أن "المتهم بريء حتى تثبت إدانته بحكم قضائي بات". وحينما يكون هذا المبدأ غائبا عن وعي المتلقي فإنه بمجرد أن يوجه الغوغائي اتهاما لشخص ما، يصبح هذا الشخص في نظر المتلقي الجاهل مدانا فورا ومستحقا للعقاب. ومن جانبه يدرك صانع المحتوى الغوغائي هذا الجهل فيعمد إلى "التشهير" كأداة رئيسية لحصد المشاهدات وهو مطمئن أن أحدا لن يطالبه بتقديم الأدلة على ما يقول. وبناء على هذا التخادم، يسير المتلقون خلف الغوغائي ك"قطيع رقمي" يساهم بحماس في نشر الفضيحة والاتهام، الأمر الذي يرفع أسهم الغوغائي ويزيد من دخله. وبهذه الطريقة يصبح المتلقون شركاء في جريمة "السب والقذف والتشهير" دون أن يكونوا على وعي بخطورة هذه الشراكة.

3. غياب المحاسبة على "الجرائم الإلكترونية".

عندما يكون الوعي القانوني عند المتلقي متدنيا، يسود لديه اعتقاد مؤداه أن الفضاء الرقمي "عالم افتراضي" لا يحكمه قانون، وأنه إذا كتب تعليقا يحتوي على سب أو قذف أو تحريض على العنف، أو إذا شارك فيديو يشهر بطفل أو بامرأة، فإن كل هذا يندرج في إطار "التعبير عن الرأي" ولا تترتب عليه مسئولية جنائية. ومن جانبه يستغل الغوغائي جهل المتلقين ليحرضهم على مهاجمة ضحاياه أو التحرش بهم رقميا أو تهديدهم. وبهذه الطريقة تتشكل عملية تخادم يحصل من خلالها الغوغائي على "جيش الكتروني مجاني" ينفذ أجندته، بينما يندفع المتلقون عن جهل لارتكاب جرائم الكترونية مكتملة الأركان معتقدين أنهم ينصرون حقاً أو يؤازرون بطلاً.

4. تسطيح القوانين المعقدة وصناعة "المؤامرة".

عندما يكون وعي المتلقي متدنيا فإنه يستصعب قراءة القوانين وفهمها. وفي هذه الحالة يسود لديه اعتقاد أن القوانين نصوص جافة ومعقدة وأنها بحاجة إلى متخصصين لتفسيرها. وهنا ينبري الغوغائي ليقدم تفسيرا شعبويا مُبَسَطاً وكارثيا لهذه القوانين، فيصور للمتلقي أن وراء كل مادة قانونية مؤامرة أو خيانة أو صفقة سرية. وعلى الفور تنشأ عملية تخادم طرفاها المتلقي والغوغائي، حيث يرتاح الأول للتفسير البسيط الذي قدمه الثاني لأنه يوافق هواه وعاطفته ويريحه من عناء البحث والتعلم، وفي المقابل يتسيَّد الثاني المشهد بوصفه "الخبير" القادر على فك طلاسم القوانين، الأمر الذي يباعد بين المجتمع وبين الفهم الحقيقي للتشريعات والمؤسسات.

وخلاصة القول في هذه الجزئية، أن تدني الوعي القانوني لدى المتلقين هو رأس المال الحقيقي للغوغائية الرقمية؛ فلو كان المجتمع مسلحا بوعي قانوني دقيق، يفهم معنى الأدلة، ويحترم أسرار التحقيق، ويعرف عقوبات السب والقذف والتشهير، لبارت بضاعة الغوغائيين في غضون أيام، ولتحولت فيديوهات الصراخ والتشهير إلى أدلة إدانة ضدهم، بدلاً من أن تكون سبباً في شهرتهم وثرائهم.
الحاجة إلى تشريع ينظم الإعلام الرقمي.

تأسيسا على كل ما تقدم، واضح أن وجود تشريع ينظم الإعلام الرقمي لم يعد مجرد رفاهية أو خياراً مؤجلاً، بل أصبح ضرورة ملحة لحماية الأمن القومي، والسلم الاجتماعي، والوعي العام، خاصة في المجتمعات التي تعاني من أزمات ممتدة وصراعات سياسية. فبدون تشريع رادع، يتحول الفضاء الرقمي إلى بيئة خصبة لـ "أمراء الحروب الإعلامية" والمتاجرين بالوعي، حيث تغيب المسؤولية وتُستباح الحقائق. وتكمن ضرورة هذا التشريع في عدة ركائز أساسية:

1. تحديد المسؤولية القانونية والمحاسبة:

يجب أن ينتهي زمن "الفلتان الرقمي" الذي يعفي صانع المحتوى الرقمي من عواقب كذبه أو تحريضه. فالقانون يضع حدوداً واضحة تفصل بين حرية التعبير المكفولة، وبين السب والقذف، وبث الشائعات، والتحريض على العنف والتمييز الطبقي أو القبلي أو الطائفي.

2. فرز المهنيين عن الغوغائيين (مأسسة الإعلام الرقمي):
التشريع يضع معايير مهنية واضحة لمن يمارس العمل الصحفي والإعلامي عبر المنصات الرقمية (مثل شروط الترخيص، الالتزام بمواثيق الشرف الصحفي، والشفافية في مصادر التمويل). هذا يساهم في إعادة الاعتبار للصحافة الاستقصائية والتحليل الرصين، ويقلل من قدرة "ظواهر الصوت الصاخب" على تصدر المشهد.

3. مكافحة التضليل الممنهج:

وجود قانون ينظم المحتوى الرقمي يمنح مؤسسات الدولة والقضاء الآليات القانونية للتعامل مع الحسابات الوهمية، والذباب الإلكتروني، وموجات التضليل الممنهج.

4. حماية الخصوصية الرقمية والمجتمعية:

تنظيم الإعلام الرقمي يشمل أيضاً حماية بيانات المواطنين، ومنع استغلال القضايا الشخصية والأسرية وتحويلها إلى مادة للتشهير و"التريند" لزيادة المشاهدات والتكسب المالي على حساب كرامة الأفراد.

5. التحدي الأكبر:

المعضلة الأساسية لصياغة قانون ينظم الإعلام الرقمي تكمن في ضبط شعرة معاوية الفاصلة بين "التنظيم والضبط" لحماية المجتمع، وبين "القمع والتقييد" لحرية الرأي والتعبير الصحفي. فالقانون الناضج الذي نريده هو الذي يحارب الغوغائية والتضليل، وفي نفس الوقت يحمي حق الصحفي والمواطن في النقد البناء وكشف الفساد.

Rate this item
(0 votes)
LogoWhitre.png
جميع الحقوق محفوظة © 2021 لموقع تعز تايم

Design & Developed by Digitmpro