الاعتراض البديهي هو أن اليمن يعيش حالة حرب. فما تزال جماعة الحوثي تسيطر على معظم شمال غربي اليمن، بما في ذلك العاصمة. كما أن المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، ومنها العاصمة المؤقتة عدن، لا تزال تواجه حالة من عدم الاستقرار. ومنذ عام 2023، أدت هجمات الحوثيين بالصواريخ والطائرات المسيّرة على الملاحة في البحر الأحمر وعلى أهداف إسرائيلية إلى تغيير مسارات التجارة العالمية وتكبيدها خسائر بمليارات الدولارات. ومع التهديدات وعمليات إطلاق الصواريخ خلال الأيام الأخيرة، يبدو التعامل مع اليمن كتهديد أمني أمراً مفهوماً للوهلة الأولى.
لكن هذه المقاربة هي جوهر المشكلة. فالانهيار الاقتصادي الطويل في اليمن، واستبعاده من التجارة والاستثمارات الإقليمية، كانا جزءاً مما أفرغ الدولة من مضمونها أساساً، وأسهم في وصول الحوثيين إلى السلطة. ومنذ ذلك الحين، كان الرد الإقليمي والدولي هو تشديد الحدود وتحويل مسارات التجارة والكابلات وخطوط الأنابيب بعيداً عن اليمن، بما يجعل هذا الاستبعاد دائماً. غير أن ذلك لن يؤدي إلا إلى تحويل البلاد إلى تهديد أمني أكبر من أن يتم احتواؤه.
يقع اليمن عند ملتقى البحر الأحمر وخليج عدن ومضيق باب المندب وبحر العرب، على امتداد مسار يمر عبره نحو 15 في المائة من إجمالي التجارة البحرية العالمية. واليمن اليوم حاضر في كل خرائط المخاطر، لكنه يكاد يغيب عن خرائط الفرص. وهذا يجب أن يتغير.
وبساحل يمتد لنحو 2400 كيلومتر، لا يمثل اليمن مجرد نقطة عبور. فهو يوفر اتصالاً مباشراً بين خطوط الملاحة الآسيوية وجنوب شبه الجزيرة العربية، من دون المرور عبر نقطة اختناق بحرية. وقد كان ميناء عدن في وقت من الأوقات من بين أكثر موانئ العالم ازدحاماً. صحيح أن عقوداً من سوء الإدارة والحرب حجبت هذه الحقيقة، لكن الجغرافيا لم تتغير.
إن الفرص المهدرة نتيجة استبعاد اليمن من الخطط الإقليمية المستقبلية باتت واضحة بالفعل في ثلاثة مسارات يجري التفكير فيها ضمن بنية الخليج الجديدة: الطاقة، والتجارة، والاتصال الرقمي.
لقد أظهرت أزمة هرمز أن طرق الالتفاف القائمة ليست كافية. فخط أنابيب السعودية شرق–غرب ينتهي في ينبع، على البحر الأحمر، وهو بحر معرض أصلاً لهجمات حوثية محتملة، كما أن السفن المتجهة إلى آسيا ستظل مرتبطة بمضيق باب المندب. أما خط أنابيب الفجيرة الإماراتي، فيقع ضمن مدى الطائرات الإيرانية المسيّرة. وهناك مسار ثالث قادر فعلاً على تعزيز القدرة على الصمود، وهو يمر عبر اليمن، من المنطقة الشرقية في السعودية جنوباً إلى ميناء الضبة العميق في حضرموت، ليخرج مباشرة إلى بحر العرب. وقد جرى بحث هذا المسار حتى أوائل العقد الأول من الألفية، لكن المفاوضات بين السعودية والنظام اليمني السابق انهارت. واليوم تغيّر أمران: تعطيل هرمز لم يعد احتمالاً نظرياً بل واقعاً، والحكومة اليمنية الحالية قد تكون أكثر استعداداً للتوصل إلى اتفاق بشأن خط أنابيب.
أما على صعيد التجارة، فإن الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا، وطريق التنمية بين العراق وتركيا، ومشروع السكك الحديدية السعودي–التركي المقترح، وبعض عناصر مبادرة الحزام والطريق الصينية، كلها تطرح أشكالاً جدية من التكامل الإقليمي. لكن أياً منها لم يدمج اليمن بصورة ذات معنى. وفي مجال البنية التحتية الرقمية، تبدو التكلفة أكثر وضوحاً؛ إذ يجري الآن تحويل مسارات كابلات “سي مي وي 6” و“تو أفريكا” براً لتجنب اليمن، ما يرفع التكاليف بشكل كبير بسبب طبيعة التضاريس وتعقيدات الأعمال المدنية.
المشكلة ليست في عدم استقرار اليمن، بل في أن المنطقة تتكيف مع هذا الواقع عبر تصميم مستقبلها من دون اليمن. فعدم الاستقرار ينتج الإقصاء، والإقصاء يعمق الفقر، والفقر يغذي الصراع. والمخاوف الأمنية التي تدفع إلى استبعاد اليمن من صفقات الكابلات والممرات وخطوط الأنابيب هي نفسها نتاج حرب يمكن للتكامل الاقتصادي أن يساعد في حلها.
إن إبرام “ميثاق اتصال يمني” يجمع دول الخليج والمؤسسات المالية الدولية والأطراف اليمنية المعنية، يمكن أن يطلق دراسات جدوى لممر الضبة، ويضع إطاراً لإنزال الكابلات على ساحل بحر العرب، ويعيد تأهيل عدن، ويضمن إدراج اليمن في النقاشات المتعلقة بالبنية التحتية الإقليمية. والأهم أن ذلك سيغير حسابات الأطراف اليمنية. فوجود عرض موثوق للاستثمار والوظائف والاندماج يمنح هذه الأطراف هدفاً ملموساً يمكن التفاوض حوله، وحصة في المستقبل الاقتصادي للمنطقة.
ستمضي أزمة هرمز، لكن البنية التي ستُبنى في ظلها لن تمضي. إن الالتفاف حول اليمن ليس خياراً تخطيطياً محايداً؛ بل هو رهان على أن بلداً بهذا الحجم، وبهذا الموقع، وبهذا القدر من الإقصاء، يمكن تجاهله إلى ما لا نهاية. وهذا غير ممكن.
رأفت الأكحلي - خبر اقتصادي يمني وزير سابق للشباب والرياضة، وزميل في كلية بلافاتنيك للإدارة الحكومية بجامعة أكسفورد.










