استئناف تصدير النفط في اليمن.. فرصة لإنعاش الاقتصاد أم بوابة لصراع جديد؟

تموز/يوليو 24, 2026


أعاد إعلان الحكومة اليمنية استئناف تصدير النفط الخام فتح أحد أكثر الملفات حساسية في البلاد، بعد نحو أربع سنوات من توقف الصادرات، وسط آمال بإنعاش الاقتصاد وتحسين الإيرادات العامة، يقابلها قلق متزايد من تحول المنشآت النفطية مجدداً إلى بؤرة صراع تهدد الاستقرار الاقتصادي والسياسي.



وأعلن رئيس مجلس القيادة الرئاسي الدكتور رشاد العليمي استئناف تصدير النفط، مؤكداً أن العائدات ستخصص لصرف رواتب الموظفين، وتحسين الخدمات العامة، والوفاء بالالتزامات الأساسية للدولة، مشدداً على أن ثروات اليمن يجب أن تعود لجميع المواطنين، وأن الحكومة ماضية في استعادة مواردها السيادية.

أول استئناف منذ 2022

يمثل القرار أول إعلان رسمي باستئناف تصدير النفط منذ أكتوبر/تشرين الأول 2022، عندما توقفت الصادرات عقب استهداف المليشيا لميناءي الضبة في حضرموت والنشيمة في شبوة، وهو ما أدى إلى فقدان الحكومة أهم مصادر النقد الأجنبي والإيرادات العامة، وأدخل الاقتصاد اليمني في مرحلة أكثر صعوبة.

غير أن العودة إلى التصدير تأتي في ظروف مختلفة، إذ يشهد القطاع النفطي تراجعاً في الإنتاج، وخروج عدد من الشركات الأجنبية، واستمرار التحديات الأمنية المحيطة بالحقول والموانئ، فضلاً عن الحاجة إلى إعادة تأهيل البنية التشغيلية للقطاع.

رهان اقتصادي

تعول الحكومة على عائدات النفط لإنقاذ المالية العامة، والحد من تدهور سعر صرف العملة، وتمويل الرواتب والخدمات، في وقت يواصل فيه صندوق النقد الدولي دعواته إلى استعادة الموارد السيادية، وفي مقدمتها النفط والغاز، باعتبارها المدخل الرئيس لمعالجة العجز المالي وتعزيز الاستقرار الاقتصادي.

لكن خبراء اقتصاديين يرون أن استئناف التصدير وحده لن يكون كافياً لمعالجة الأزمة، ما لم يصاحبه إصلاح شامل لإدارة الموارد والإنفاق.

ويؤكد الباحث الاقتصادي عبدالواحد العوبلي أن الإيرادات المتوقعة قد تتراوح بين مليار ومليار ونصف مليار دولار سنوياً، وهي أقل بكثير من فاتورة استيراد المشتقات النفطية، ما يعني أن معظم العائدات ستذهب لتغطية فاتورة الوقود دون إحداث تحول اقتصادي حقيقي.

ويرى أن الأولوية ينبغي أن تكون لإعادة تشغيل مصافي عدن، وإنشاء قدرات تكرير جديدة في حضرموت وشبوة، بما يسمح بتغطية احتياجات السوق المحلية أولاً وتقليل فاتورة الاستيراد، قبل تصدير الفائض.

النفط والسلام

لا ينفصل ملف النفط عن المسار السياسي، إذ يمثل أحد أبرز بنود خريطة الطريق التي ترعاها الأمم المتحدة، والتي تقوم على استئناف التصدير وتخصيص الإيرادات لصرف رواتب موظفي الدولة في مختلف المحافظات.

وكانت الأطراف اليمنية قد أبدت موافقة مبدئية على هذه الترتيبات، إلا أن التطورات الإقليمية منذ أواخر عام 2023 أدت إلى تجميد تنفيذ خريطة الطريق وتعطيل معظم بنودها.

ويرى مراقبون أن نجاح الحكومة في إعادة التصدير قد يعيد إحياء المسار الاقتصادي ضمن جهود السلام، لكنه في المقابل قد يفتح الباب أمام تصعيد جديد إذا تحولت المنشآت النفطية إلى أهداف عسكرية.

تحديات التنفيذ

ورغم الإعلان الرسمي، لا تزال قدرة الحكومة على تنفيذ القرار محل تساؤل، في ظل استمرار المخاطر الأمنية.

ويشير الخبير الاقتصادي محمد الكسادي إلى أن نجاح الخطوة مرتبط بقدرة الدولة على حماية موانئ التصدير، خصوصاً ميناء الضبة، إضافة إلى رفع مستويات الإنتاج، موضحاً أن الإنتاج الحالي لا يتجاوز نحو 55 ألف برميل يومياً، وهو رقم يقل كثيراً عن مستويات ما قبل الحرب.

ويؤكد أن تحقيق إيرادات مؤثرة يتطلب توسيع الإنتاج وضمان استمرار عمليات التصدير دون انقطاع.

الرواتب في قلب المعركة

ويحمل القرار أهمية خاصة لمئات الآلاف من موظفي الدولة الذين ينتظرون انفراجاً في أزمة الرواتب الممتدة منذ سنوات.

ويرى الباحث الاقتصادي وحيد الفودعي أن المعيار الحقيقي لنجاح الخطوة لن يكون الإعلان عن استئناف التصدير، وإنما قدرة الحكومة على استمرار عمليات التصدير، وضمان توجيه العائدات فعلياً إلى صرف الرواتب وتحسين الخدمات، بعيداً عن الهدر والفساد.

وتشير التقديرات إلى أن نحو 600 ألف موظف في مناطق سيطرة المليشيا لم يتلقوا رواتبهم بانتظام منذ سنوات، فيما يبلغ إجمالي موظفي الدولة نحو 1.2 مليون موظف، ما يجعل ملف الرواتب أحد أكثر الملفات ارتباطاً بمصير عائدات النفط.

مخاوف من عودة الصراع

في المقابل، ترفض المليشيا استئناف التصدير بصورة أحادية، وتطالب بأن تُخصص جميع الإيرادات لصرف رواتب موظفي الدولة في مختلف المحافظات ضمن اتفاق شامل، وهو ما يزيد من احتمالات عودة التوتر حول المنشآت النفطية.

ويرى مراقبون أن النفط سيظل أحد أبرز أدوات الضغط في أي مواجهة سياسية أو عسكرية مقبلة، ما يضع المحافظات النفطية، وفي مقدمتها حضرموت وشبوة، أمام مرحلة شديدة الحساسية.

مقترحات لإنقاذ القطاع

ويطرح خبراء اقتصاد حلولاً تضمن تحييد النفط عن الصراع، من أبرزها إنشاء صندوق سيادي يمني يخضع لرقابة دولية، يتولى إدارة عائدات النفط بصورة مستقلة وشفافة، مع ربط عمليات البيع إلكترونياً، وإيداع الإيرادات في حسابات مخصصة لضمان توجيهها إلى الرواتب والخدمات ومشروعات التنمية.

كما يدعو مختصون إلى التوسع في تكرير النفط محلياً وتشغيل محطات الكهرباء بالغاز، بما يحقق وفراً مالياً كبيراً، ويقلل الاعتماد على استيراد الوقود، ويعزز القيمة المضافة للاقتصاد الوطني.

بين الفرصة والمخاطرة

يمثل استئناف تصدير النفط فرصة حقيقية لاستعادة أهم مورد سيادي للدولة، لكنه في الوقت نفسه يضع الحكومة أمام اختبار صعب يتمثل في حماية المنشآت النفطية، وضمان استدامة التصدير، وإدارة العائدات بشفافية.

ويبقى نجاح هذه الخطوة مرهوناً بقدرة الدولة على تحويل النفط من وقود للصراع إلى ركيزة للتعافي الاقتصادي، وإبعاد هذا الملف الحيوي عن التجاذبات السياسية والعسكرية التي أنهكت اليمن طوال السنوات الماضية.

Rate this item
(0 votes)
LogoWhitre.png
جميع الحقوق محفوظة © 2026 لموقع تعز تايم

Design & Developed by Digitmpro