حديث فخامة الرئيس عن “صناعة النموذج” لا يمكن فصله عن اعتراف ضمني بأن نماذج سابقة فشلت في تقديم دولة قابلة للاستمرار، ليس فقط بسبب الحرب والانقلاب، بل بسبب اختلالات داخلية تراكمت في إدارة المال العام، وتعدد مراكز القرار، وغياب الانضباط المالي، وتحويل الخدمات إلى أوراق ضغط، لا إلى التزام وظيفي. من هنا، فإن “صناعة النموذج” تعني عمليًا الانتقال من إدارة الأزمة إلى إدارة الدولة، ومن التكيف مع الفشل إلى تحمل كلفة الإصلاح.
الأهم في خطاب فخامة الرئيس أنه أعاد رسم خريطة الصراع. فالمعركة لم تعد محصورة في مواجهة مليشيا انقلابية مدعومة خارجيًا، بل باتت مواجهة مع واقع اقتصادي مختل، تضخم مرتفع، دائرة فقر تتسع، تآكل مستمر في القوة الشرائية، وفقدان عميق للثقة في قدرة المؤسسات على إدارة الموارد بعدالة وكفاءة. هذا التشخيص يرفع الغطاء عن أي محاولة لتبرير الإخفاق الاقتصادي باعتباره أثرًا جانبيًا للحرب فقط، ويضع الحكومة أمام مسؤولية مباشرة عن معالجة الاختلالات التي تقع ضمن نطاق سيطرتها.
فحين يؤكد الرئيس أن تنمية الموارد لا تقل أهمية عن الجبهة العسكرية، فهو يقر بحقيقة مركزية في إدارة الدول الهشة مفادها بأن الاقتصاد ليس ملفًا تقنيًا، بل عنصر حاسم في ميزان القوة فالدولة التي تعجز عن دفع الرواتب بانتظام، أو حماية عملتها، أو ضبط أسعار السلع الأساسية، تفقد تدريجيًا قدرتها على الصمود، وتتحول شرعيتها السياسية إلى غطاء بلا مضمون. لذلك، فإن نقل معيار التقييم إلى كبح التضخم واحتواء تآكل الدخل ليس خطابًا شعبويًا، بل توصيفًا دقيقًا لكيفية نظر المواطن إلى الدولة اليوم.
جملة فخامة الرئيس الواضحة في لقائه اليوم، التي أكد فيها أن الدولة لا يمكن أن تقوم بينما تُستنزف مواردها خارج خزينتها العامة، تمثّل في جوهرها إدانة صريحة لنمط إدارة ترسّخ خلال الفترة الماضية بفعل تعدد مراكز القوى، وما نتج عنه من تعدد قنوات الإيراد، والإنفاق خارج الموازنة، وشرعنة الجبايات غير القانونية. هذا النمط لم يُضعف قدرة الحكومة على التخطيط فحسب، بل أسّس لاقتصاد ظل داخل مؤسسات الدولة، وأفرغ السياسة المالية من مضمونها، وحوّل أي حديث عن استقرار نقدي إلى وهم مؤقت
ومن هنا، فإن الدعوة إلى انضباط مالي صارم، وموازنة واقعية، وتوريد كامل للإيرادات، وعدالة في توزيع الإنفاق، ليست إجراءات إصلاحية مؤجلة، بل شروط بقاء. فلا يمكن لأي حكومة أن تدير سياسة نقدية، أو تحمي العملة، أو تبني ثقة داخلية وخارجية، وهي لا تعرف الحجم الحقيقي لمواردها ولا تملك السيطرة الكاملة على تدفقاتها النقدية.
لذا فأن تشديد فخامة الرئيس على دعم استقلالية البنك المركزي يأتي في السياق ذاته. فغياب الاستقلال النقدي، وتعدد مراكز القرار، والتدخلات غير المنضبطة، كلها عوامل تُقوّض السوق، وتفتح المجال أمام المضاربة، وتُفقد المواطنين أي حد أدنى من اليقين الاقتصادي. السياسة النقدية لا تعمل في فراغ، ولا يمكن فصلها عن الانضباط المالي الحكومي. وأي خلل في هذا التوازن سينعكس مباشرة على سعر الصرف، والأسعار، ومستوى المعيشة.
وفي هذا السياق، لم يتعامل فخامة الرئيس مع الملف الاقتصادي بوصفه مسارًا معزولًا عن بقية وظائف الدولة، بل أعاد وضعه ضمن إطار أشمل لإدارة الاستقرار العام فالحديث لم يفصل الاقتصاد عن الأمن، بل ربطهما في معادلة واحدة. فلا دولة بلا أمن، ولا أمن دون مؤسسات عادلة. وفي حدبث صريح لم ينكر فخامة الرئيس التحديات الأمنية، لكنه رفض تحويلها إلى سردية لتبرير الفشل أو إرباك الثقة. المطلوب، كما حدده، هو انتقال واضح من رد الفعل إلى العمل الاستباقي، وبسط سيادة القانون، وضبط السلاح المنفلت، وتجفيف بؤر الجريمة، بما يعيد للمواطن الإحساس اليومي بحضور الدولة، لا باستعراض قوتها.
وفي الملف الخدمي، كان الخطاب أكثر وضوحًا. الخدمات ليست مجالًا للمساومة السياسية، ولا أداة ابتزاز، ولا ورقة ضغط متبادلة. تحسينها واجب، وحمايتها من العبث مسؤولية مباشرة. فاستخدام الكهرباء أو الماء أو المرتبات كوسائل صراع سياسي هو سلوك يضرب ما تبقى من ثقة الناس بالدولة، مهما كانت المبررات. هذا التحديد يضع الحكومة أمام اختبار بسيط في شكله، عميق في أثره: هل تستطيع تقديم الحد الأدنى من العيش الكريم دون تسييس؟
ومن هذا المنطلق، لم يحصر الرئيس مقاربة التعافي في أدوات الدولة وحدها، بل وسّع إطارها ليشمل الفاعلين الاقتصاديين بوصفهم جزءًا من معادلة الاستقرار. وفي هذا السياق، وُضع القطاع الخاص في قلب مسار التعافي، لا كفاعل ثانوي، بل كركيزة أساسية، حيث إن حماية الاستثمار، وضمان توفر السلع، ومنع استخدام الخدمات كسلاح ضغط، ليست شعارات اقتصادية، بل أدوات مباشرة لتحسين سبل العيش. كما جاءت الإشارة إلى قطاعات الزراعة، والثروة السمكية، والصناعات التحويلية، والاتصالات، والنقل، بوصفها روافع واقعية قادرة على إحداث أثر سريع، متى ما حُميت من الفوضى والاختلالات..
وفي التعليم والصحة، لم يُطرح الملفان كخدمات اجتماعية فقط، بل كجزء من معركة الدولة طويلة الأمد فمكافحة الغش، وربط التعليم بسوق العمل، وتحصين النشء من الطائفية، وضمان وصول الدواء والخدمة الصحية، كلها عناصر تدخل في صلب بناء الدولة، لا في هامشها.
في المحصلة، خطاب فخامة الرئيس لم يمنح الحكومة تفويضًا مفتوحًا، بل وضعها أمام اختبار شامل ومركّب قوامه اقتصاد منضبط، وأمن مؤسسي، وخدمات مستقرة، وشراكة إقليمية قائمة على المصالح والنتائج، وفي مقدمتها الشراكة الاستراتيجية مع المملكة العربية السعودية، التي أكد أنها طريق اليمن الآمن للمستقبل، لا علاقة عاطفية قابلة للمقارنة أو التفريط.
وعليه، فهذه ليست لحظة بيانات ولا مرحلة مجاملات سياسية، بل لحظة إعادة تعريف لوظيفة الحكومة ذاتها، بوصفها مسؤولية مباشرة عن خدمة المواطن، وحماية المال العام، واستعادة الدولة كإطار قادر على الصمود. وأي إخفاق في هذا الاختبار لن يُفسَّر سياسيًا، بل سيُحاسَب عليه اقتصاديًا ومعيشيا.










