وفي كلمة ألقتها بجامعة أكسفورد بدعوة من الجامعة واتحاد طلابها، أوضحت كرمان أن تآكل الدولة يبدأ حين يلتقي الاستبداد الداخلي مع التدخل الخارجي، مشيرة إلى أن الاستبداد لا يحوّل الدولة إلى أداة قمع فحسب، بل يفرغها من معناها بوصفها عقداً اجتماعياً يقوم على القانون والمواطنة والعدالة والإرادة الشعبية.
وأضافت أن كثيراً من دول المنطقة تحولت من دول تمثل مجتمعاتها إلى أنظمة تحتكر القوة، واستبدلت العقد الاجتماعي بشبكات ولاء وخوف وفساد، ما أدى إلى تفكيك الدولة من الداخل وظهور ما وصفته بـ«الدولة الهشّة المقنّعة»، التي تبدو مستقرة شكلياً لكنها متآكلة في جوهرها، وتنهار سريعاً عند سقوط الغطاء الاستبدادي.
وأكدت أن الاستبداد وحده لا يفسر تفكك الدول، إذ تتحول الدولة المنهكة داخلياً إلى ساحة مفتوحة للتدخلات الخارجية، التي لا تسعى لإعادة البناء، بل لإدارة الضعف واستثماره عبر دعم قوى موازية وميليشيات، وفرض وقائع تحت عناوين مثل مكافحة الإرهاب أو إدارة الأزمات، بهدف إبقاء الدول في حالة «لا حرب ولا سلام ولا دولة».
وتطرقت كرمان إلى ثورات الربيع العربي، معتبرة أنها كانت محاولة حقيقية لاستعادة الدولة من الاستبداد والفساد، لكنها اصطدمت ببيئة إقليمية ودولية معادية لأي انتقال ديمقراطي ناجح. وفي هذا السياق، اتهمت دولة الإمارات بتنفيذ مشروع منظم لتفكيك الدول الوطنية عبر دعم الميليشيات وتمزيق المجتمعات في دول عدة، من بينها اليمن وليبيا والسودان والصومال، معتبرة أن هذه السياسات لا تنتج استقراراً بل تعيد إنتاج الفوضى كأداة للنفوذ.
وقالت إن نظام الملالي في إيران يلعب دوراً مشابهاً عبر تقويض الدول وتأجيج الصراعات الطائفية، مؤكدة أن هاتين القوتين تشكلان خطراً مباشراً على الأمن والسلم الإقليمي والدولي.
وفي الشأن اليمني، أشارت إلى أن المسار الانتقالي الذي أعقب ثورة 11 فبراير السلمية تعرض لانقلاب مدعوم من إيران عبر ميليشيا الحوثي، ثم لتقويض إضافي بعد تدخل التحالف السعودي–الإماراتي، مؤكدة أن الدور الإماراتي ركز على تفكيك الجغرافيا وبناء قوى مسلحة خارج سلطة الدولة، ما أسهم عملياً في إضعاف الشرعية وترسيخ الحوثيين في الشمال.

كما تناولت الوضع في السودان، معتبرة أن تمكين ميليشيا الدعم السريع كقوة موازية للدولة بعد الثورة أدى إلى انفجار دموي، لم يكن فشلاً للثورة وحدها، بل نتيجة نهج إقليمي يستبدل بناء الدولة بإدارة التفكك. واعتبرت أن ليبيا والصومال يعيشان المسار ذاته، حيث جرى تكريس غياب الدولة وتدويل الفراغ بدل إعادة البناء.
وأكدت أن تفكيك الدول لا يهدد شعوبها وحدها، بل يشكل خطراً مباشراً على الأمن الإقليمي والدولي، مشيرة إلى أن اليمن المفكك يهدد أمن البحر الأحمر والخليج وممرات الطاقة العالمية، وأن السودان المنهار يهدد الأمن القومي المصري، فيما يشكل الصومال المقسّم ثغرة استراتيجية تمتد آثارها إلى الخليج.
ورأت كرمان أن هذا المسار يلتقي مع تراجع النظام الدولي نفسه، حيث تسود ازدواجية المعايير، ويتراجع احترام القانون الدولي، ويُدار العالم بمنطق القوة لا العدالة. واعتبرت أن الغزو الروسي لأوكرانيا مثّل خرقاً خطيراً لقواعد النظام الدولي، لكن الذروة كانت – بحسب قولها – في حرب غزة، حيث جرى تفريغ القانون الدولي من مضمونه تحت غطاء سياسي وصمت دولي.
وأضافت أن ما حدث في العراق وأفغانستان سابقاً، وما يجري في أماكن أخرى مثل فنزويلا، يؤكد أن استخدام القوة خارج القانون لا يبني ديمقراطية ولا سلاماً، بل يرسخ منطق الإفلات من العقاب.
وحذرت من الدعوات إلى هدم النظام الدولي بدل إصلاحه، معتبرة أن تفكيكه سيقود إلى عالم تحكمه القوة العارية، داعية إلى إصلاح جذري يعيد الاعتبار للقانون الدولي، ويخضع المؤسسات العالمية للمساءلة، وينهي شلل مجلس الأمن وامتيازات حق النقض.
وفي محور آخر، تحدثت كرمان عن تمزق النسيج الاجتماعي عالمياً، سواء في المجتمعات العربية عبر توظيف الهويات الطائفية والعرقية لتفكيك المجتمعات، أو في الغرب عبر تصاعد العنصرية وكراهية اللاجئين والاستقطاب الحاد، معتبرة أن مجتمعات منقسمة تصبح أكثر هشاشة وأسهل اختراقاً.
كما ربطت هذا التدهور باتساع الفجوة الاقتصادية العالمية، وهيمنة الشركات متعددة الجنسيات، التي تحولت – بحسب قولها – إلى قوة سياسية غير خاضعة للمساءلة، تستفيد من الحروب وتفريغ القوانين البيئية والاجتماعية.
وفي ختام كلمتها، دعت كرمان إلى عدم الاستسلام لليأس، مؤكدة أن المطلوب هو الدفاع عن الدولة والديمقراطية معاً، ورفض الثنائية الزائفة بين الاستبداد والفوضى، وإعادة الاعتبار للقانون الدولي، ورفض سياسات التفتيت، ومحاسبة الحكومات والشركات على سياساتها.
ووجهت رسالة مباشرة إلى الشباب وطلاب الجامعات والمفكرين، معتبرة أنهم الرهان الحقيقي للتغيير، قائلة إن التاريخ لم يُكتب بعد، وإن الشعوب – لا الطغاة ولا تجار الحروب – هي من ستكتب خاتمته، مهما طال الطريق أو ارتفع الثمن.










