الصحفي المياحي في أول مقال بعد الإفراج عنه: خسرت كل شيء لكني ربحت نفسي وحريتي

شباط/فبراير 28, 2026
الصحفي المياحي في أول مقال بعد الإفراج عنه: خسرت كل شيء لكني ربحت نفسي وحريتي المياحي من منزله

كأنه أول يوم لي بهذا الوجود .أشعر بالعالم جديدًا أنا جديد تمامًا، الأشياء والكلمات جديدة. أقول لنفسي:

يكفي أنّك موجود. موجود وحر. يكفي هذا لأقول: أنا بخير، بخير أكثر مما تتوقعون، أبعد مما يمكن لخيال أحدكم أن يتصوّر. ماذا عما حدث لك..؟ السجن. إنها أخطر مرحلة بحياتي. أخطر وأهمّ . قاسية.. نعم. السجن تجربة تقترب من الموت. قاسية ومريرة على أيّ إنسان. لكني أشدّ حصانة من كل صروف الزمان. أنا محصّن بشكل غير عادي. لا أدري كيف أشرح لكم الأمر. غير أنّ هذا هو تكويني النفسي وحتى البيلوجي. لا أتصور أن هناك شيء ما في هذا العالم قادر على كسري. حتى الطلقة وهي تعبر رأسي، لا أؤمن أنّها قادرة على إلغاء إرادتي أو المس بعالمي المعنوي. بتعبير تلك الشرارة الغامضة في الأعماق. سرّ الله في الإنسان. الروح أو الذات، الجوهر أو الكينونة. ما وراء اللغة. ما لا يُشرح ولا يقهر.

أولست بشرًا ، تتألم ويجري عليّك ما يجري على بقية الناس.. بلى. لكني شخص بلا روابط خارجية مع هذا العالم يمكن مصادرتها عني. لا أملك شيئًا، لا أريد شيئًا. وزاهد عن كل شيء. موجود وغير موجود. بلغة " العلوم الروحية" إنّه كلّ شيء ؛ لأنه لا شيء. كما لو أن وجودي كله مجرد كلمة. كلمة تصدر عن جهة مجهولة. صوت واضح يأتي من لا زمان ولا مكان. روح تهب الناس القوة؛ ترفع عنهم الحجب قدر ما تستطيع، تمنحهم كل شيء ولا تريد شيئًا. هكذا أفهم نفسي ووجودي. وليس الأمر مجرد جملة أو فكرة أقولها لكم؛ لأطمئنكم. بل هذا هو إحساسي الكلي بوجودي. 

شاب بلا عدوات مع جهة أو شخص. لا أنطلق في مواقفي من دوافع مسبقة، مع أو ضدّ أحد. أقول ما أراه بنزاهة ووضوح؛ كما أفهمه؛ دونما قصدية النيل من أحد. أدافع عن بلاد لكل الناس وعن الجمهورية التي ولدت ونشأت في ظلالها وأراها مفردة تأسيسية؛ تنظُم وجودنا وليست مجرد عنوان فارغ من الدلالة. أنا لست عدوّا لأحد. باستثناء رفضي لكل سياسة تنشر الخوف في المجتمع. أنا عدو كل منطق يفتقد للنزاهة ويحاول إخضاع الإنسان وتضليله عن معنى وجوده . 

أنا شخص لديه مهمة وحيدة بهذا الوجود. أود مشاركة العالم ما أؤمن به. أن أقول للناس : كيف أرى الحياة لا أود مغادرة هذا العالم قبل أن أختبر معهم رؤيتي تجاه هذا الوجود الرهيب. إنني أراها مختلفة عن تلك الرؤية المشاعة في الجو العام. لا يمكن أن تكون الحياة هي هذه الصورة المعمّمة قسرًا. من أبسط تفصيلة ؛ حتى أخر فكرة. من عالم الشهادة؛ حتى العوالم المحجوبة. آراها مختلفة. وسأقضي حياتي من أجل هذه الغاية. وهي غاية لا يمكن أن تتحقق؛ دون دفاع صارم عن الحرية. هذه الكلمة التي دوخت العقل البشري منذ الأزل. لا يمكن العيش دونما انتزاع التزام صارم بها. من أي سلطة تتحكم بمصيرنا العام. حينما أرتفع فوق التفاصيل الصغيرة، وأتأمل كيف هو اليمني، كيف هو الإنسان بهذه البقعة من العالم؛ مقارنة ببقية البشر؛ أشعر بالذهول. عندها أكون على استعداد أن أفدي الناس بروحي. أن أتمسّك بالدفاع الصارم عن حرية الإنسان ولو كان الثمن مغادرة هذا العالم. 

الآن وفي أولى لحظات حريتي، أدرك أن الحرية هي كل شيء. هي أنت. بدون الحرية أنت حيوان تأكل وتشرب وتنام ولا تعي من وجودك ؛ سوى قشرته الخارجية. ماذا عن الخلاصة الكليّة لتجربتك في السجن..؟ على الصعيد الشخصي؛أظُّنها معجزة متكاملة. لقد عرفت نفسي؛ عرفتها جيدًا . بكل ما في المعنى من ذهول ومهابة. كلمة، كلمة وخلية خلية، أعدت بناء وجودي كله. هي أخصب فترة فكرية عشتها، بل وتجربتي الحقيقية الوحيدة بالحياة. إنها كل شيء. الفترة المركزية بحياتي. وإنطلاقًا منها تأسست نظرتي للعالم كله. حدّ إعتقادي أنني لم أكن موجودًا قبل هذه التجربة. أو لعلّ ما عشته فيما مضى، مجرد بروفة طفولية، مناوشات بسيطة بينك وبين العالم. 

نعم. من منظور واقعي قد أكون خسرت كل شيء؛ لكني ربحت نفسي. ربحت هذه " العافية الكبرى" هذا الوضوح في الرؤية، ما أستشعره من ثبات عجيب. أنا ما أنا عليه الآن؛ متنازلًا لكم عن كل ما تعرفوه مسبقًا عني. لم تزدني الأحداث؛ سوى وعي أعمق بالقوة الهائلة التي تستوطن الإنسان. تلك الشفرة السرية في أعماقه ومتى نجح بملامستها ورعايتها؛ يمتلك قوة صمود. لا حدود لها. يستطيع مواجهة أقسى ضربات الزمان وكأنه لم يواجه شيئًا. يدفع أشد الأهوال عن نفسه بجهد ضئيل؛ بل ويفعل ذلك بخفة روح ومرح. 

عرفت نفسي، وعرفت الله. اختبرت وجوده بشكل شخصي.لا أدري هل هذا هو وقت مناسب للحديث عن أمر كهذا. لكن الأمر أشبه بتجربة ديكارت وأبو حامد الغزالي. ويقال هناك تقاطع في بعض مساحات تجربتهما. عرفت الله وعشت فترة تصوّف عالية. حفظت أجزاء واسعة من القرآن وحاولت أنجز ما يشبه مسودّة " تفسير فلسفي للقرآن" لجانب هذا؛ كتبت ما يتجاوز 1200 ورقة في السجن. في مواضيع متفرقة: الأدب والفلسفة وعلم النفس. وعرفت شعبي، عرفت اليمنيين من مختلف مستوياتهم. 

عايشتهم وتحدثت معهم كثيرًا. ذلك أن السجن" صورة مصغّرة لليمن الكبير" وأعترف أني لم أكن أعرف اليمني قبل هذه التجربة. عرفت اليمنيين وأحببتهم وأحاطوني بمحبتهم داخل السجن كما خارجه.

حظيت بمعاملة طيبة لحدّ ما؛ غير أن السجن ليس عنوان للفخامة أو مكانًا للرفاهية. يظلّ نقيضًا كاملًا للحياة. كما أحب التنويه أنني سأتفرغ لمشروعي الكتابي. وحين يكن الظرف مناسبًا سأطل عليكم من صفحتي الشخصية. كما لا أستطيع الرد على إتصالاتكم أو اللقاء بأحد. 

شكرًا لكم جميعًا.. شكرًا لعمار، شكرًا لعمار، شكرًا لعمار الأهدل. وشكرًا قبل أي شخص لسيدة نساء العالمين" يسرى المياحي" المرأة التي لم تتوقف لحظة واحدة عن العناية بي وأنا داخل السجن. بل وجعلتني أحيا ك"ملِك" حتى وأنت في قاع الجحيم. شكرًا لكلّ من وقف جواري وجوار أسرتي. وشكرًا لكل كلمة كتبها كل إنسان طوال فترة سجني. لا تدرون كم هي الكلمة أعظم من الكون بكاملة. تلك الكلمة التي لا تضع لها بالًا وتقولها باسترخاء تام ؛ هي أشد رهبة وأثر عند أي حدث وموقف. كنت مؤمنًا بقداسة الكلمة. وزدت إيمانًا بها حدّ الجاهزية للموت دفاعًا عنها. عن الكلمة، الحرية. 

مساء الحربة يا صنعاء...مساء الحب أيّها العالم.

Additional Info

  • المصدر: تعز تايم - متابعات
Rate this item
(0 votes)
LogoWhitre.png
جميع الحقوق محفوظة © 2021 لموقع تعز تايم

Design & Developed by Digitmpro