الحرب تجبر اليمنيين على التخلي عن مستلزمات العيد Featured

آذار/مارس 24, 2026

واجه المواطنون في اليمن، مع حلول عيد الفطر لهذا العام، تحديات معيشية بالغة القسوة ناتجة بشكل مباشر عن تداعيات الحرب الإيرانية المستمرة، حيث تلاشت بشكل شبه كامل الخيارات والبدائل الاقتصادية التي كانت تتوفر للأسر اليمنية في مواسم الأعياد السابقة، مما جعل تأمين مستلزمات العيد الأساسية وكسوة الأطفال أمراً بعيد المنال لقطاعات واسعة من الشعب.


في تحليل للأوضاع الراهنة، يشير الخبير المصرفي والمالي، علي التويتي، في حديثه لـ"العربي الجديد"، إلى أن التبعات الأكثر وضوحاً للحرب تتمثل في جفاف المصادر المالية التي كانت تتدفق على المواطنين قبل أيام من حلول العيد.
ويوضح التويتي أن تحويلات المغتربين اليمنيين، الذين تتركز غالبيتهم في دول الخليج العربي، قد شهدت تراجعاً ملحوظاً، وهي التي كانت تمثل رافداً أساسياً للاقتصاد المنزلي في اليمن. بالتوازي مع تراجع التحويلات، يذكر التويتي أن المساعدات الإنسانية والمالية التي كانت تقدمها منظمات دولية، أو جهات خيرية، أو رجال أعمال يمنيون مقيمون في الخارج، قد تقلصت بشكل حاد.
هذا الانحسار في السيولة والمنح أدى إلى تجريد المواطن من "شبكة الحماية" المالية التي كانت تعينه على مواجهة متطلبات المناسبات الدينية والاجتماعية الكبرى كعيد الفطر. وعلى صعيد حركة الأسواق، يلفت التويتي الانتباه إلى تأثر التجارة الداخلية في اليمن بشكل مباشر بالتوترات الإقليمية والحرب، وهو ما انعكس في الارتفاع الكبير لتكاليف الشحن الدولي والنقل التجاري. هذا الوضع أدى إلى خلق حالة من الحذر الشديد داخل الأسواق المحلية، وسط مخاوف جدية من تصاعد مستمر في الأسعار وشح في المواد المستوردة نتيجة تعطل سلاسل الإمداد. وقد ظهرت آثار هذا التأزم بشكل جلي في سوق الملابس والمنسوجات، الذي سجل زيادات مضاعفة في الأسعار مقارنة بالأعوام السابقة.
ويأتي هذا الغلاء رغم التراجع الحاد في القوة الشرائية للمواطنين، حيث أصبحت الفجوة واسعة بين رغبة الناس في اقتناء الكسوة وبين قدرتهم المالية الفعلية. كما يسود الحذر أوساط التجار أنفسهم، إذ يواجهون صعوبات بالغة في عملية الاستيراد، وإيجاد بدائل للسلع التي يجري تصريفها، مما دفع الكثير منهم للاعتماد على المخزونات السابقة، في ظل اشتعال ممرات النقل الدولية، وتأزم الأسواق التقليدية التي كانوا يتعاملون معها. يشدد التويتي على أن ممارسات الأطراف المتصارعة داخل اليمن قد أثرت بعمق في استقرار الأوضاع الاقتصادية، وألحقت أضراراً جسيمة بالقطاعين التجاري والاستثماري.

هذه الممارسات أضعفت قدرة القطاع الخاص والأفراد على الصمود أمام أي طوارئ، سواء كانت محلية أو مرتبطة بالتوترات الإقليمية والدولية المتصاعدة حالياً في المنطقة. ويشير الخبير المالي إلى الدور السلبي للأطراف اليمنية في مفاقمة حالة الإفقار التي يعاني منها الشعب، حيث تسبب النزاع في توقف صرف رواتب الموظفين لسنوات طويلة، كما أدى فرض الجبايات والضرائب المتعددة إلى اندثار العديد من الأنشطة الاقتصادية والأعمال الحرة التي كانت توفر فرص عمل ودخلاً بديلاً للكثير من الأسر، وهو الدخل الذي كان يلعب دوراً محورياً في تغطية نفقات العيد.
تنعكس هذه الأرقام والتحليلات في قصص يومية يرويها المواطنون، حيث يقول أحمد العامري، وهو من سكان العاصمة صنعاء، لـ"العربي الجديد"، إن الظروف الحالية بلغت مستويات مقلقة وغير مسبوقة بسبب تأثير أحداث المنطقة المباشر في الداخل اليمني. ويؤكد العامري أن اليمن الذي يعاني من نزاع مستمر منذ عقد من الزمن، بات اليوم بلا خيارات؛ مشيراً إلى عجزه التام عن توفير ثياب العيد لأطفاله الثلاثة، ما اضطره لمواجهتهم بحقيقة أن هذا العيد سيمر بلا كسوة جديدة، وأن عليهم الاكتفاء بملابسهم القديمة.
من جانبه، يسلط المواطن علي حسن الضوء على جانب آخر من المعاناة، موضحاً أن قيمة الحوالة المالية التي تصله من أحد أقاربه في الخارج انخفضت إلى النصف. هذا التراجع أجبره على إعادة جدولة أولوياته، حيث بات بالكاد يستطيع تأمين المتطلبات الغذائية الأساسية لأسرته، والتي أصبحت تمثل الأولوية القصوى قبل التفكير في شراء الملابس أو أي مظاهر عيدية أخرى، مشدداً على أن سد الجوع يسبق جودة الهندام في سلم الضروريات الحالي.
تكشف جولات "العربي الجديد" الميدانية أن أسعار الملابس في المدن اليمنية تحافظ على مستويات مرتفعة جداً، مدفوعة بتفاقم أزمة الشحن وارتفاع كلف التأمين لمستويات قياسية نتيجة أحداث المنطقة. هذا الغلاء ضاعف من كلفة التوفير، إذ تحتاج الأسرة في مناطق مثل صنعاء، وإب، وذمار، لتأمين كسوة أربعة أفراد إلى دفع مبلغ يقدر بنحو 80 ألف ريال يمني في الأسواق والمحال الشعبية، وقد يتجاوز هذا الرقم 100 ألف ريال في حال الشراء من المراكز التجارية (المولات).
أما في عدن، وتعز، وحضرموت، وبقية المناطق التابعة للحكومة المعترف بها دولياً، فإن التكلفة تتضاعف نتيجة انهيار سعر صرف العملة المحلية أمام العملات الأجنبية. وفي المقابل، يضطر يمنيون كثر للجوء إلى الأسواق الشعبية جداً، أو حراج الملابس المستعملة، أو الباعة الجائلين، حيث تنخفض التكلفة هناك لتصل إلى نصف أو 20% من الأسعار في المحال الكبرى. في سياق متصل، يعتبر الناشط الاجتماعي منصور علي أن اليمنيين يقعون ضحايا بالدرجة الأولى للنزاع المحلي الذي أدى إلى تدهور المعيشة، وتوقف الرواتب، وانتشار الفقر.
ويضيف في حديثه لـ"العربي الجديد" أن ربط اليمن بملفات الصراع الإقليمي وضع البلاد تحت وطأة التأثير المباشر لأي تصعيد يحصل في المنطقة، مما يزيد من تعقيد المشهد المعيشي.

Additional Info

  • المصدر: تعز تايم/ العربي الجديد - محمد راجح
Rate this item
(0 votes)
LogoWhitre.png
جميع الحقوق محفوظة © 2021 لموقع تعز تايم

Design & Developed by Digitmpro