وفرضت الحرب المستمرة منذ 11 عامًا أوضاعًا معيشية واقتصادية قاسية، حيث دفعت ملايين العاملين إلى خيارات قسرية في ظل انعدام فرص العمل وتعطل المشاريع الاستثمارية الحكومية، إلى جانب هروب رؤوس الأموال وتوقف وتضرر عدد كبير من منشآت القطاع الخاص.
وتقول منظمة العمل الدولية في بياناتها إن حجم القوى العاملة في اليمن بلغ خلال عام 2025 نحو 8.1 ملايين عامل، في وقت تشير فيه تقديرات نقابية إلى أن نحو 4 ملايين عامل فقدوا أعمالهم أو مصادر دخلهم بشكل مباشر منذ اندلاع الحرب، بما يعادل قرابة 50% من إجمالي القوى العاملة.
وفي مقابل هذه الأرقام، لا تزال البلاد تواجه فجوة كبيرة في البيانات المتعلقة بسوق العمل، خصوصًا في القطاعات غير المنظمة التي تستوعب شريحة واسعة من اليمنيين، ما يجعل أعدادًا كبيرة من العاملين خارج مظلة الحماية القانونية والاجتماعية، وبعيدين عن أي سياسات واضحة لتنظيم العمل أو ضمان الحقوق.
وفي ذلك يرى رئيس منتدى الإعلام والبحوث الاقتصادية عبد الحميد المساجدي أن غياب الإحصاءات الرسمية الدقيقة في اليمن وتضارب مصادر البيانات لا يمثل مجرد خلل فني، بل يشكل عاملًا مشوّهًا للواقع الاقتصادي برمّته.
ويشير في حديثه لموقع "الترا صوت" إلى أن صناع القرار والباحثين يعتمدون عادة على مؤشرات مثل معدلات البطالة وحجم القوى العاملة ومستويات الأجور لتقدير اتجاهات السوق ووضع السياسات الاقتصادية، إلا أن هذه المؤشرات في اليمن إما قديمة أو مجتزأة أو مسيّسة، ما يؤدي إلى قراءات غير دقيقة للواقع الاقتصادي وسوق العمل.
موظفو الدولة على رصيف البطالة
لم تقتصر تداعيات الحرب على العاملين في القطاع الخاص والقطاعات غير المنظمة والمهن الحرة، بل إنها امتدت لتطال موظفي القطاعين المدني والعسكري في اليمن، الذين تأثروا بشكل مباشر بانقسام مؤسسات الدولة وانهيار الوضع المالي للبلاد.
ووفقًا لكشوفات وزارة الخدمة المدنية والتأمينات، فقد بلغ عدد موظفي القطاع العام في اليمن نحو 1.2 مليون موظف موزعين على مختلف قطاعات الدولة، بينهم 472 ألف موظف مدني، ونحو 653 ألف موظف في القطاع العسكري والأمني، إضافة إلى العاملين في الوحدات الاقتصادية والمتقاعدين، وذلك وفق آخر كشوفات رسمية صدرت في عام 2014 قبل اندلاع الحرب.
ومع نشوب الصراع وحالة الانقسام المالي والإداري في اليمن، توقفت منذ عام 2016 رواتب شريحة واسعة من المدنيين والعسكريين، حيث تشير التقديرات إلى أن نحو مليون موظف يواجهون انقطاعًا أو عدم انتظام في رواتبهم، فيما يتقاضى نحو 200 ألف موظف رواتبهم في مناطق الحكومة المعترف بها دوليًا، إلا أنها فقدت جزءًا كبيرًا من قيمتها الشرائية بفعل التضخم وتدهور قيمة العملة المحلية.
وبالتوازي مع ذلك، شهد القطاع العسكري خلال سنوات الحرب توسعًا كبيرًا نتيجة عمليات تجنيد واسعة نفذتها مختلف أطراف الصراع، ما أدى إلى تضخم غير مسبوق في أعداد المنتسبين إلى السلك العسكري والأمني، وسط غياب بيانات رسمية دقيقة تكشف حجم المجندين الجدد.
ويرى مراقبون أن هذا التضخم في القطاع العسكري قد يشكل تحديًا اقتصاديًا وأمنيًا كبيرًا في حال التوصل إلى أي تسوية سياسية مستقبلية، في ظل صعوبة استيعاب هذه الأعداد ضمن مؤسسات الدولة.
أربعة ملايين متضرر
بدوره يقول رئيس الاتحاد العام لنقابات عمال اليمن علي بلخدر لموقع "الترا صوت" إن الإحصاءات المتعلقة بسوق العمل في اليمن ما تزال غير مستقرة وصعبة القياس في ظل استمرار الحرب وتضرر القطاعات الاقتصادية، مشيرًا إلى أن أكثر من 4 ملايين عامل تضرروا بشكل مباشر نتيجة الحرب وتوقف الأعمال وتضرر المصانع وهجرة رؤوس الأموال، مبينًا أن هذا الرقم يظل تقديريًا في ظل غياب الإحصاءات الدقيقة.
ويؤكد بلخدر أن القطاعات الأكثر تضررًا شملت قطاع المقاولات والبناء والتشييد والعمالة الزراعية والباعة المتجولين والعاملين في الأنشطة غير المنظمة.
وفي السياق، يؤكد نائب رئيس اتحاد المقاولين اليمنيين أمين صالح لموقع "الترا صوت" أن قطاع المقاولات في اليمن يشغل أكثر من مليونين ونصف المليون عامل بصورة مباشرة وغير مباشرة، إلا أن هذه العمالة فقدت مصادر دخلها نتيجة الركود الذي أصاب قطاع البناء والتشييد بفعل الحرب.
رواتب فقدت قيمتها
ويوضح رئيس اتحاد نقابات عمال اليمن أن أزمة العمال لا تتوقف عند حدود فقدان فرص العمل، بل إنها تمتد إلى انهيار الأجور وتراجع قيمتها الشرائية، مشيرًا إلى أن بعض العاملين في القطاع العام يتقاضون ما يعادل 150 إلى 200 ريال سعودي فقط شهريًا، وهي مبالغ لا تكفي لتغطية الحد الأدنى من متطلبات الحياة.
غياب الحماية الاجتماعية
وكان اتحاد نقابات عمال اليمن قد كشف، خلال بداية الحرب في البلاد، أن عدد العاملين في القطاع الخاص يُقدّر بنحو 6 ملايين عامل، في حين لا يتجاوز عدد المؤمن عليهم نحو 120 ألف عامل فقط، ما يعكس ضعفًا حادًا في منظومة الحماية الاجتماعية.
وتشير التقديرات إلى أن أكثر من 70% من العاملين في القطاع الخاص يعملون دون عقود رسمية تضمن حقوقهم القانونية، وسط غياب شبه كامل للتأمين الصحي وضعف واضح في تطبيق التشريعات العمالية.
أوضاع مكسورة
من جانبه، قال نائب رئيس اتحاد نقابات عمال عدن خلدون شائف يوسف لموقع "الترا صوت" إن العمال والموظفين يستقبلون عيد العمال هذا العام في ظل أوضاع وصفها بالمكسورة نتيجة تأخر الرواتب أو انقطاعها، وغياب التسويات والترقيات والعلاوات السنوية، إلى جانب عدم وجود هيكل وظيفي يتناسب مع التحولات الاقتصادية الحادة.
ويضيف أن العمل النقابي نفسه تعرض للتهميش خلال السنوات الماضية، مع تشكيل كيانات نقابية مخالفة للقانون واقتحام بعض المقرات النقابية، ما انعكس سلبًا على قدرة النقابات الشرعية في الدفاع عن حقوق العمال والموظفين.
بطالة قياسية
ويواجه اليمن تحديات كبيرة في ملف البطالة واتساع الفجوة بين مخرجات سوق العمل وفرص التوظيف، إذ يُصنّف ضمن أعلى الدول العربية في معدلات البطالة لعام 2025، حيث أفادت وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل اليمنية بأن نسبة البطالة تجاوزت 60% بسبب الحرب الدائرة وتوقف التوظيف.
وفي ذلك يشير نائب رئيس اتحاد نقابات عمال عدن خلدون شائف يوسف إلى أن تقدير معدل البطالة بات أمرًا شديد التعقيد، في ظل توقف التوظيف الحكومي منذ عام 2011، وعجز الحكومات المتعاقبة عن استيعاب خريجي الجامعات والكليات والمعاهد الفنية والمهنية.
ولفت إلى أن استمرار الحروب دفع أعدادًا كبيرة من الخريجين إلى التوجه نحو القطاع العسكري باعتباره أكثر قدرة على توفير دخل أعلى مقارنة بوظائف القطاع المدني، مما ساهم في إعادة تشكيل سوق العمل بصورة غير متوازنة.
وأكد أن العاملين والموظفين يواجهون كذلك أعباء إضافية ناجمة عن ارتفاع الأسعار وتراجع قيمة العملة المحلية أمام العملات الأجنبية، إلى جانب ضعف الخدمات الأساسية، خصوصًا الكهرباء والمياه، ما فاقم من صعوبة الحياة اليومية للعاملين وأسرهم.
وفي السياق، يعاني المعلمون من أوضاع معقدة، حيث تقول نقابة المعلمين اليمنيين في أحدث بيان لها إن أكثر من 170 ألف معلم محرومون من الرواتب منذ قرابة عشر سنوات.
تفاقم الفقر العمالي
وفي ظل التحديات الاقتصادية التي تعيشها البلاد، يقول رئيس منتدى الإعلام والبحوث الاقتصادية عبدالحميد المساجدي لموقع "الترا صوت" إن نمو حجم القوى العاملة في اليمن رغم الانكماش الاقتصادي لا يعكس تحسنًا اقتصاديًا، بل يعكس تدهورًا في شروط المعيشة، حيث أصبح العمل ضرورة للبقاء وليس خيارًا إنتاجيًا.
ويضيف أن معدلات البطالة الرسمية قد تبدو أقل من الواقع الفعلي، لكونها لا تعكس البطالة المقنعة أو العمالة الهشة، ما يعني أن سوق العمل في اليمن يتوسع عدديًا لكنه يتدهور نوعيًا، وهو ما يخلق فجوة واضحة بين المؤشرات الكمية والواقع المعيشي.
ويشير المساجدي إلى أن انهيار الأجور، إلى جانب توقف رواتب شريحة واسعة من موظفي القطاع العام، يمثل مؤشرًا واضحًا على تفاقم الفقر العمالي، موضحًا أن كثيرًا من المصنفين ضمن فئة العاملين لا يملكون دخولًا تكفي لتأمين الحد الأدنى من متطلبات الحياة.
وأكد أن هذا الواقع يعكس اتساع ظاهرة "الفقر العامل"، حيث لم يعد الفقر مرتبطًا بالعاطلين عن العمل فقط، بل بات يشمل شريحة واسعة من العاملين أنفسهم.
معالجات ضرورية
في الوقت الذي يحتفي فيه العالم بعيد العمال كمناسبة لتكريمهم، يبدو واقع عمال اليمن مختلفًا للغاية، حيث تغيب الفرص وتتآكل الأجور وتغيب الحماية الاجتماعية ويخفت دور الدولة، وتشكو الكيانات النقابية من التهميش، الأمر الذي يجعل مسألة معالجة واقع هذه الشريحة الأوسع، التي تقوم عليها التنمية، ضرورة لا تحتمل التأخير.










