في اللحظات المفصلية من تاريخ الدول، لا تُقاس التحركات السياسية بطول مدتها، بل بما تحمله من رسائل وما تفتحه من مسارات. ولهذا بدا كثير من الجدل الذي رافق زيارة رئيس مجلس القيادة الرئاسي الدكتور رشاد العليمي إلى جيبوتي قراءةً سطحية اختزلت الحدث في “مشاركة بروتوكولية” بمناسبة تنصيب الرئيس إسماعيل عمر جيله، بينما كانت المنطقة تتحرك فوق واحد من أكثر الملفات حساسية في العالم: أمن البحر الأحمر وباب المندب.
فاليمن اليوم لا يقف أمام تمرد داخلي فحسب، بل في قلب اشتباك جيوسياسي يتصل بالملاحة الدولية، والطاقة، وتوازنات القرن الإفريقي، وخريطة النفوذ الممتدة من مضيق هرمز حتى قناة السويس. ولهذا فإن أي حديث عن استعادة الدولة أو تحرير السواحل والموانئ اليمنية لا يمكن فصله عن تفاهمات إقليمية مع الدول المطلة على الضفة الأخرى للبحر الأحمر، وفي مقدمتها جيبوتي والصومال.
جيبوتي ليست دولة هامشية في هذا المشهد، بل واحدة من أهم العقد الجيوسياسية في العالم. فهي تتحكم بالضفة الإفريقية المقابلة لباب المندب، وتستضيف قواعد عسكرية دولية أمريكية وفرنسية وصينية ويابانية، وتتحول عملياً إلى غرفة مراقبة لحركة الملاحة الدولية بين البحر الأحمر وخليج عدن. أما الصومال، رغم أزماته المزمنة، فيظل جزءاً حساساً من معادلة الأمن البحري، خصوصاً مع تصاعد نشاط التهريب والجماعات المسلحة وعودة حوادث القرصنة إلى الواجهة.
ولذلك لم تكن لقاءات الرئيس العليمي بالرئيس الجيبوتي إسماعيل عمر جيله، والرئيس الصومالي حسن شيخ محمود، بحضور عضو مجلس القيادة الرئاسي الفريق الركن محمود الصبيحي، مجرد صور دبلوماسية، بل اجتماعات تتصل مباشرة بإعادة ترتيب البيئة السياسية والأمنية المحيطة بأي معركة قادمة في الساحل الغربي وباب المندب.
ولعل التطورات الأخيرة تؤكد حساسية هذا الملف. فقبل أيام فقط، شهدت السواحل المقابلة لمحافظة شبوة حادثة قرصنة واختطاف سفينة جرى سحبها باتجاه الأراضي الصومالية، في مؤشر واضح على هشاشة الأمن البحري واتساع مساحة التهديدات العابرة للحدود. وهذه الحوادث لا تُقرأ بوصفها جرائم معزولة، بل باعتبارها إنذاراً بأن أي فراغ أمني في هذه المنطقة سيفتح الباب أمام الفوضى والابتزاز وتهديد التجارة الدولية.
ومن هنا يصبح الحديث عن أمن البحر الأحمر وباب المندب أكثر من مجرد خطاب دبلوماسي. فالدول المطلة على هذا الممر تدرك أن استمرار سيطرة المليشيات المسلحة والفوضى البحرية لم يعد شأناً يمنياً داخلياً، بل تهديداً مباشراً للمصالح الدولية وحركة الطاقة والتجارة العالمية.
ومن يقرأ الجغرافيا جيداً يدرك أن تحرير باب المندب لا يبدأ من المدفع وحده، بل من بناء شبكة تفاهمات سياسية وأمنية تحمي أي تحرك ميداني قادم، وتمنع انزلاق البحر الأحمر إلى فوضى مفتوحة. فالحروب الحديثة لا تُحسم فقط عندما تتقدم القوات على الأرض، بل عندما يصبح الإقليم مقتنعاً بأن بقاء الوضع القائم أخطر من تغييره.
لهذا فإن تحرك الشرعية اليمنية نحو العمق الإفريقي ليس حدثاً هامشياً، بل محاولة لإعادة بناء التوازن الاستراتيجي في منطقة تتقاطع فيها المصالح الدولية الكبرى. كما أنه يعكس إدراكاً متزايداً بأن أمن اليمن لم يعد منفصلاً عن أمن القرن الإفريقي ولا عن استقرار الممرات البحرية الدولية.
وتزداد أهمية هذه الزيارة عند النظر إلى توقيتها. ففي اللحظة التي كان البعض منشغلاً بالسخرية من الرحلة القصيرة، كانت جبهات الضالع تشهد معارك عنيفة، وكانت القوات هناك تواجه هجمات الحوثيين والطيران المسيّر، فيما تواصل المقاومة الوطنية في الساحل الغربي رفع جاهزيتها القتالية وإجراء تدريبات تحاكي معارك هجومية واسعة.
هذا التزامن بين التحرك الدبلوماسي والتأهب العسكري ليس صدفة، بل يكشف أن معركة استعادة الدولة تُدار على أكثر من مستوى: في الجبهات، وفي الإقليم، وفي البحر، وفي السياسة. فالدول لا تخوض معاركها الكبرى وهي معزولة، بل وهي محاطة بشبكة تفاهمات تخفف كلفة المواجهة وتعزز فرص الحسم.
كما أن الزيارة جاءت في سياق حديث متزايد عن توحيد القرارين الأمني والعسكري، وتعزيز التماسك المؤسسي، واستكمال الإصلاحات الاقتصادية والخدمية بدعم من المملكة العربية السعودية. وهذا يعني أن التحرك الخارجي ليس منفصلاً عن إعادة ترتيب الداخل، بل جزء من محاولة بناء دولة قادرة على إدارة معركة طويلة ومعقدة.
المشكلة أن جزءاً من الخطاب السياسي والإعلامي اليمني بات أسير “اللقطة السريعة”، يقرأ الأحداث من سطحها لا من عمقها، ويتعامل مع التحركات السياسية بعقلية الانفعال لا بمنطق الدولة. ولهذا تتحول زيارة قصيرة إلى مادة للمهاترات، بينما تغيب الأسئلة الأهم: ماذا يُرتب في الإقليم؟ وكيف يُعاد التموضع اليمني في البحر الأحمر؟ وكيف يمكن تحويل صمود الجبهات إلى شبكة دعم سياسي وأمني إقليمي ودولي؟
ولعل ما قاله مستشار الرئاسة يحيى عبد الرقيب الجبيحي عن حاجة اليمن إلى بناء العلاقات مع “الصغير والكبير، والقريب والبعيد” يلخص طبيعة المرحلة. فالدول التي تخوض حروباً مصيرية لا تملك رفاهية العزلة، واليمن بحاجة إلى كل نافذة سياسية تشرح قضيته، وكل تفاهم يعزز موقعه في معادلة الأمن الإقليمي.
الرئيس العليمي لم يذهب إلى جيبوتي ليؤدي واجباً بروتوكولياً فحسب، بل ليؤكد أن اليمن ما يزال رقماً أساسياً في معادلة أمن البحر الأحمر، وأن استعادة الدولة اليمنية ليست شأناً داخلياً محدوداً، بل ضرورة لاستقرار المنطقة بأكملها. وفي منطقة مفتوحة على احتمالات التصعيد، قد تكون الزيارات القصيرة أحياناً أعمق أثراً من الخطب الطويلة، لأنها لا تعبّر فقط عمّا يُقال في العلن، بل عمّا يُبنى بصمت خلف الأبواب المغلقة.