ففي الحالة اليمنية، تواجه السعودية تهديدًا مباشرًا يتمثل في جماعة الحوثي المدعومة من إيران، والتي تمتلك مشروعًا عسكريًا وعقائديًا عابرًا للحدود. وقد أثبتت السنوات الماضية أن الصواريخ والطائرات المسيّرة الحوثية لم تعد تستهدف الداخل اليمني فقط، بل امتدت إلى العمق السعودي، بما في ذلك المنشآت النفطية والمطارات والممرات الاقتصادية الحيوية. كما كشفت الهجمات على الملاحة الدولية في البحر الأحمر أن الحوثيين لم يعودوا مجرد فاعل محلي، بل تحولوا إلى جزء من منظومة الردع الإيرانية الإقليمية المرتبطة بمضيق هرمز وباب المندب معًا.
وفي هذا السياق، فإن أي تقارب تكتيكي مع التجمع اليمني للإصلاح لا يمكن فهمه باعتباره إعادة تموضع أيديولوجي أو إعادة تأهيل للإخوان المسلمين، بل باعتباره اعترافًا بحدود النفوذ الخارجي وقدرة الواقع اليمني على فرض معادلاته. فالدولة اليمنية، رغم هشاشتها، أثبتت أنها الإطار الوحيد القادر على احتواء وإدارة القوى الاجتماعية والسياسية المختلفة، بما فيها القوى الإسلامية والقبلية والمناطقية.
المصلحة السعودية الاستراتيجية لا تكمن في دعم حزب بعينه، بل في دعم الدولة اليمنية بوصفها المظلة الشرعية الجامعة، بما يمنع تحول أي فصيل إلى وكيل حصري لقوة إقليمية أو دولية. وفي المقابل، فإن السياسات التي دعمت قوى انفصالية جنوبية خلال السنوات الماضية أسهمت في تعميق الانقسام داخل المعسكر المناهض للحوثيين، وأضعفت قدرة الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا على فرض سيادتها، كما ساهمت في إنتاج مراكز نفوذ متصارعة داخل الجنوب اليمني نفسه.
وقد شهدت نهاية عام 2025 وبداية 2026 أزمات سياسية وأمنية داخلية انعكست على تراجع نفوذ بعض القوى الانفصالية وخروج شخصيات قيادية بارزة من المشهد، وهو ما كشف هشاشة البنية السياسية للمشروع الانفصالي وعدم قدرته على إنتاج نموذج دولة مستقرة وقابلة للحياة على المدى الطويل.
إن أخطر ما قد يترتب على تفكك اليمن ليس فقط انهيار الدولة، بل إعادة تشكيل موازين القوى لصالح الحوثيين بوصفهم القوة العسكرية الأكثر تنظيمًا وتسليحًا والأكثر ارتباطًا بإيران. فكلما تراجعت سلطة الدولة المركزية، وتعمقت الانقسامات المناطقية والانفصالية، ازدادت قدرة الحوثيين على تثبيت سلطتهم في شمال اليمن وتحويل مناطق سيطرتهم إلى قاعدة نفوذ إيرانية متقدمة على حدود السعودية وفي قلب البحر الأحمر.
كما أن أي تقسيم فعلي لليمن لن يؤدي إلى خلق توازن إقليمي جديد، بل سيؤدي عمليًا إلى نشوء كيانات ضعيفة ومتنافسة في الجنوب والشرق، مقابل كيان حوثي أكثر تماسكًا وتنظيمًا في الشمال. وهذا يعني أن إيران ستكون المستفيد الأكبر من أي انهيار للوحدة اليمنية، لأن الحوثيين سيصبحون الطرف الأكثر قدرة على فرض معادلات القوة والسيطرة على القرار العسكري والأمني في الجزء الأكثر كثافة سكانية من البلاد.
إن الخطر الحقيقي بالنسبة للسعودية والخليج لا يتمثل فقط في طبيعة القوى السياسية داخل اليمن، بل في احتمالية تحول اليمن إلى جغرافيا مفككة تتوزعها الولاءات الخارجية والمليشيات المسلحة. فالدولة اليمنية الضعيفة أو المجزأة تعني حدودًا جنوبية أكثر هشاشة، ومساحات أوسع للتهريب والتسلل، وفرصًا أكبر لإيران لترسيخ نفوذها العسكري والاستخباراتي على امتداد البحر الأحمر.
كما أن تفكك اليمن يحمل أبعادًا تتجاوز النفوذ الإيراني وحده. فالكيان غير المستقر الذي يبحث عن الاعتراف والتمويل والحماية يصبح عرضة للاستقطاب الخارجي، سواء من إيران أو إسرائيل أو غيرهما من القوى الساعية إلى توسيع حضورها في الممرات البحرية الاستراتيجية. المشكلة لا تكمن فقط في التصريحات السياسية أو مشاريع التطبيع، بل في هشاشة الكيان السياسي الذي يفقد استقلالية قراره نتيجة اعتماده على الحماية الخارجية بدلًا من شرعية الدولة الوطنية.
وفي ظل التنافس الدولي المتصاعد في البحر الأحمر، فإن أي فراغ سيادي في مناطق استراتيجية كأرخبيل سقطرى والمناطق المطلة على خطوط الملاحة الدولية قد يتحول إلى مدخل لتوسيع النفوذ الخارجي في خاصرة الجزيرة العربية.
وتزداد خطورة هذا المشهد عند النظر إلى أهمية مضيق باب المندب باعتباره أحد أهم الممرات البحرية العالمية، حيث تمر نسبة كبيرة من تجارة الطاقة والتجارة الدولية. ولذلك فإن أي حالة تفكك داخل اليمن لا تمثل أزمة محلية فحسب، بل تهديدًا مباشرًا للأمن البحري الخليجي والدولي، كما تمنح إيران فرصة إضافية لاستخدام الممرات البحرية كورقة ضغط إقليمية، على غرار ما يحدث في مضيق هرمز.
لقد أصبح واضحًا خلال الأعوام الأخيرة أن إيران تنظر إلى الترابط بين مضيق هرمز وباب المندب باعتبارهما ورقتين متكاملتين للضغط الجيوسياسي على الخليج والاقتصاد العالمي. وبالتالي، فإن سيطرة الحوثيين على شمال اليمن مع وجود كيانات مفككة في بقية البلاد سيمنح طهران نفوذًا استراتيجيًا غير مسبوق على واحد من أهم الشرايين البحرية في العالم.
التجارب الإقليمية تقدم شواهد واضحة على مخاطر تفكك الدول. ففي العراق بعد عام 2003 أدى انهيار مؤسسات الدولة المركزية إلى صعود النفوذ الإيراني بصورة غير مسبوقة، وفي ليبيا فتح انهيار السلطة المركزية الباب أمام التدخلات الخارجية والصراعات المسلحة العابرة للحدود، بينما أظهر انفصال جنوب السودان أن التقسيم لا يؤدي بالضرورة إلى الاستقرار، بل قد ينتج أزمات أكثر تعقيدًا على المستويات الأمنية والاقتصادية والجيوسياسية.
أما في السودان، فإن المشهد لا يقل خطورة عن اليمن، بل يرتبط بصورة مباشرة بأمن البحر الأحمر والمصالح السعودية طويلة المدى. فالسودان يمثل العمق الإفريقي الاستراتيجي للأمن الخليجي، كما يشكل امتداده الساحلي عنصرًا أساسيًا في معادلة الملاحة الدولية ومشاريع الاستثمار والطاقة والنقل البحري في البحر الأحمر.
إن انهيار الدولة السودانية لا يعني فقط خسارة حليف محتمل، بل يعني تحويل شريط ساحلي طويل على البحر الأحمر إلى مساحة مفتوحة أمام الفاعلين غير الدولتيين، بما يهدد أمن الملاحة الدولية ويقوض الاستثمارات الخليجية في قطاعات الزراعة والثروة الحيوانية والموانئ، ويفتح المجال أمام شبكات تهريب السلاح والبشر والهجرة غير النظامية.
وقد ساهمت الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في إنهاك الدولة السودانية وتفكيك مؤسساتها، وسط تحذيرات أممية متكررة من الانتهاكات الإنسانية وجرائم الحرب، خصوصًا في إقليم دارفور. وفي ظل هذا الانهيار، تتزايد احتمالات تحول السودان إلى ساحة مفتوحة للتنافس الإقليمي والدولي، بما في ذلك النفوذ الإيراني والتركي والإسرائيلي في القرن الأفريقي والبحر الأحمر.
إن دعم مؤسسات الدولة السودانية، مهما كانت الملاحظات عليها، يبقى أقل خطورة من انهيار الدولة بالكامل وصعود المليشيات المسلحة والكيانات المناطقية المتصارعة. فالفوضى الممتدة على الساحل السوداني تعني تهديدًا مباشرًا للملاحة الدولية ولمشاريع السعودية الاقتصادية الكبرى المرتبطة بالبحر الأحمر، بما في ذلك رؤية السعودية 2030 ونيوم، اللذين يعتمدان بدرجة كبيرة على بيئة إقليمية مستقرة وآمنة.
إن اختزال المشهد في ثنائية “الإسلام السياسي مقابل الأنظمة” يتجاهل التحولات الأعمق في المنطقة. فالتحدي الاستراتيجي الحقيقي أمام الخليج اليوم ليس فقط طبيعة الحلفاء المؤقتين، بل كيفية منع انهيار الدول العربية المحيطة وتحولها إلى ساحات نفوذ مفتوحة للقوى الإقليمية والدولية.
من تشخيص الخطر إلى بناء الاستراتيجية
إذا كان الانهيار هو العدو الاستراتيجي، فإن بناء الدولة هو الرد العملي عليه. وهذا يتطلب من الرياض وحلفائها تحولًا جوهريًا من سياسات تقوم على إدارة فواعل محلية متنافسة، إلى استراتيجية متكاملة تقوم على ثلاثة محاور رئيسية:
أولًا، رفض مشاريع التقسيم بصورة واضحة وحاسمة، عبر التأكيد أن وحدة اليمن والسودان وسيادتهما تمثلان خطًا أحمر استراتيجيًا، لا مجرد موقف دبلوماسي عابر. فمثل هذا الموقف يحد من رهانات القوى الانفصالية على الدعم الخارجي، ويعزز ثقة القوى الوطنية بمستقبل الدولة.
ثانيًا، الاستثمار في مؤسسات الدولة المركزية بدلًا من بناء شبكات نفوذ محلية متنافسة، من خلال توجيه الدعم الاقتصادي والأمني عبر الحكومات المعترف بها دوليًا، بما يعزز قدرتها على احتكار السلاح وتقديم الخدمات الأساسية واستعادة العقد الاجتماعي مع المواطنين. فالدولة القادرة على دفع الرواتب وتأمين الخدمات هي البديل الطبيعي للمليشيات.
ثالثًا، قيادة جهد إقليمي ودولي يركز على إنقاذ الدولة لا مجرد إدارة الصراع، عبر دعم عمليات سلام شاملة تهدف إلى دمج القوى المختلفة داخل مؤسسات وطنية موحدة، مع التركيز على بناء الجيش والمؤسسات السيادية، وليس الاكتفاء بتقاسم السلطة بين الفصائل. فالتجارب السابقة، من لبنان إلى جنوب السودان، أثبتت أن اتفاقات السلام التي لا تبني مؤسسات موحدة تتحول غالبًا إلى هدن مؤقتة تسبق جولات جديدة من الصراع.
لقد أثبتت التجارب الحديثة أن الدول المفككة لا تنتج استقرارًا، بل تخلق فراغات أمنية طويلة المدى، وتدفع نحو عسكرة المجتمعات، وتفتح المجال أمام التدخلات الخارجية. إن أخطر خطأ استراتيجي يمكن أن تقع فيه المنطقة هو الاعتقاد بأن تفكيك اليمن سيؤدي إلى إضعاف الحوثيين، بينما تشير الوقائع إلى العكس تمامًا. فكل تجربة انهيار أو تقسيم في المنطقة العربية أظهرت أن القوى الأكثر تنظيمًا وتسليحًا والأكثر ارتباطًا بالخارج هي التي تملأ الفراغ.
وفي الحالة اليمنية، يعني ذلك عمليًا منح إيران فرصة تاريخية لترسيخ نفوذ طويل المدى على حدود السعودية وفي قلب البحر الأحمر. فكل كيان انفصالي يتم دعمه اليوم، وكل مليشيا يتم التساهل معها، قد يتحول غدًا إلى ثغرة دائمة في خاصرة الخليج تتدفق منها التهديدات الإيرانية والإسرائيلية وغيرها.
إن استقرار الخليج لا يمكن فصله عن استقرار محيطه العربي. فاليمن الموحد والمستقر يمثل خط الدفاع الجنوبي الطبيعي للسعودية، كما أن السودان المستقر يشكل العمق الإفريقي الضروري لأمن البحر الأحمر. وحدها الدولة الوطنية القادرة والعادلة، في اليمن والسودان، تمثل درع الأمن الحقيقي، والاستثمار في بنائها ليس خيارًا سياسيًا أو أخلاقيًا فحسب، بل ضرورة استراتيجية وجودية.
أ.د. عبدالوهاب العوج
أكاديمي ومحلل سياسي يمني
جامعة تعز










