جاء ذلك في كلمة ألقتها كرمان خلال مشاركتها في مهرجان بادن بسويسرا، بمناسبة مرور 500 عام على “حوارات بادن”، التي وصفتها بأنها واحدة من أهم اللحظات الرمزية في تاريخ الحوار الإنساني، حين اجتمع المختلفون دينيًا وفكريًا حول الكلمة بدل السلاح، وحول الاستماع بدل الكراهية.
وقالت كرمان إن العالم، بعد خمسة قرون من ذلك الحدث، ما يزال يواجه السؤال ذاته: هل يستطيع البشر العيش مع اختلافاتهم بسلام؟ وهل يمكنهم اختيار الحوار بدل العنف، وحماية إنسانيتهم وسط الخراب؟
وأضافت أن الحروب والصراعات من اليمن إلى غزة، ومن السودان إلى إيران، ومن أوكرانيا إلى مناطق أخرى، لا تمثل مجرد أزمات سياسية وعسكرية، بل تكشف أزمة إنسانية أعمق، حيث يُقتل الأطفال تحت الأنقاض، وتُدمّر المدن، وتُهجّر الشعوب، وتُسجن الأصوات، بينما يقف العالم أحيانًا عاجزًا أو متواطئًا أو منشغلًا بحسابات المصالح.
وأكدت كرمان أن الأمل ما يزال ممكنًا، لكنه ليس تفاؤلًا ساذجًا أو هروبًا من الواقع، بل فعل مقاومة، مشيرة إلى أن التمسك بالإنسانية وسط القسوة، والدفاع عن الحرية رغم الخوف، ورفض الكراهية في عالم يدفع نحوها، كلها أشكال حقيقية للمقاومة.
وشددت على أن الطغاة والحروب يحاولون قتل الأمل أولًا، لأن الإنسان الذي يفقد إيمانه بإمكانية التغيير يصبح أكثر قابلية للاستسلام، معتبرة أن الحفاظ على الأمل ليس رفاهية، بل ضرورة أخلاقية وإنسانية.
وفي حديثها عن مفهوم السلام، قالت كرمان إن السلام الحقيقي لا يعني مجرد غياب الحرب أو صمت البنادق، بل حضور العدالة، مؤكدة أنه لا يمكن بناء سلام دائم بينما تُسحق حقوق الإنسان، أو تُحتل الشعوب، أو يُعتقل الناس بسبب آرائهم، أو تُعامل بعض الأرواح وكأنها أقل قيمة من غيرها.
وأضافت أن السلام الذي يُبنى على الظلم لا يدوم، لأنه ليس سلامًا حقيقيًا، بل هدنة مؤقتة فوق جرح مفتوح.
وتطرقت كرمان إلى معنى الشجاعة في زمن الخوف، مؤكدة أنها لا تعني غياب الخوف، بل الانتصار عليه، مشيرة إلى أن الثورات السلمية وحركات التحرر بدأت بأشخاص عاديين قرروا أن كرامتهم أهم من خوفهم، من شباب واجهوا الرصاص، ونساء تحدين السجون والتهديد، وصحفيين ونشطاء وأناس بسطاء اختاروا قول “لا” حين كان الصمت أكثر أمانًا.
وقالت إن الأنظمة الاستبدادية تخشى الإنسان الحر، ولا تخاف فقط من السلاح، بل من الكلمة والوعي والذاكرة الجماعية، لأن الشعوب التي تتذكر أحلامها لا تموت، حتى لو تعثرت أو هُزمت مؤقتًا.
كما حذرت كرمان من تحول التكنولوجيا من أداة للتحرر إلى وسيلة للقمع، مشيرة إلى أن الشعوب استخدمتها يومًا لكسر جدار الخوف ونقل الحقيقة إلى العالم، غير أن الأنظمة الاستبدادية تعلمت استخدامها للمراقبة والتضليل والسيطرة.
وأكدت أن صعود الذكاء الاصطناعي والحروب السيبرانية والخوارزميات التي تتحكم بما يراه الناس ويفكرون فيه، يطرح سؤالًا خطيرًا حول إمكانية بقاء الحقيقة في عصر التلاعب الرقمي، معتبرة أن المعركة اليوم لم تعد على الأرض فقط، بل على الوعي والحقيقة وحرية الإنسان في التفكير والتعبير.
وقالت كرمان إن المقاومة السلمية ما تزال ضرورية وممكنة، رغم أنها ليست الطريق الأسهل، لكنها الطريق الذي يحافظ على إنسانية من يناضلون من أجل الحرية، لأن الهدف ليس إسقاط الظلم فحسب، بل بناء عالم لا يعيد إنتاجه من جديد.
وشددت على أن الحوار ليس ضعفًا، بل شجاعة، وأنه في زمن الشعبوية والكراهية والعنصرية يصبح الحوار فعل مقاومة ضد الانقسام، مؤكدة أن العالم لا يحتاج إلى أن يصبح متشابهًا كي يعيش بسلام، بل يحتاج إلى تعلم احترام اختلافاته.
واعتبرت أن الحوار بين الأديان والثقافات والشعوب ليس ترفًا فكريًا، بل ضرورة لبقاء الإنسانية، مشيرة إلى أن الاختلاف قد يكون سببًا للحروب، لكنه يمكن أيضًا أن يكون مصدرًا للقوة والإبداع والتقدم.
وفي ختام كلمتها، أكدت كرمان أن الأمل الأكبر اليوم يكمن في الشباب، لأن العالم لا يمكن إنقاذه بالعقليات القديمة نفسها التي ساهمت في أزماته، مشيرة إلى أن التحدي الحقيقي لا يكمن في الاحتجاج فقط، بل في صناعة البدائل، وتحويل الألم إلى مشروع تغيير، والانتقال من مقاومة الواقع إلى بناء مستقبل أكثر عدالة وإنسانية.
وقالت كرمان إنها ما تزال تؤمن بالإنسان، لأنها رأت شعوبًا تنهض من تحت الركام، وشبابًا يواجهون الرصاص بالحلم، وأمهات يربين أبناءهن على الحب وسط الحرب، وأطباء ينقذون الأرواح تحت القصف، وأناسًا عاديين يرفضون فقدان إنسانيتهم حتى في أحلك الظروف.
ووجهت كرمان رسالتها إلى الشعوب التي تقاوم في كل مكان، قائلة إن الحرية قد تتأخر لكنها لا تموت، وإن الظلام قد يطول، لكن التاريخ لا يبقى للأقوى، بل لمن يواصلون النضال من أجل الكرامة والعدالة والإنسانية.
وأكدت أن العالم لا يحتاج إلى مزيد من الهيمنة والخوف، بل إلى مزيد من العدالة والشجاعة الأخلاقية التي تعيد الاعتبار لقيمة الإنسان، معتبرة أن المعنى الحقيقي للأمل هو مواصلة الدفاع عن الإنسان، حتى حين يبدو عالم أقل سلامًا وأمنًا وعدالة وإنصافًا.
:::










