بينما لا تزال الحرب والهدن والمفاوضات تتوالى بحسب المستجدات فلا تم تنفيذ مذكرة التفاهم، ولا تم فتح مضيق هرمز، بل وعلى العكس فقد حُرِّكت ورقة حلفاء إيران في العراق واليمن عبر استهداف المملكة العربية السعودية ومنشآتها النفطية في الفترة ذاتها التي توقف فيها ترمب عن قصف إيران، بحجة إعطاء فرصة لمفاوضات تجري هنا وهناك، مما يعطي انطباعا أن هذا التوقف ليس أكثر من استعداد لجولات أخرى أشد فتكا من الصراع بل وأوسع مدى.
وفيما توقعنا وتوقع كثيرون أن يستغل المرشد الإيراني الجديد مجتبى خامنئي فرصة هدنة تشييع جثمان والده للظهور والمشاركة وطمأنة أتباعه، إلا أن شيئا من ذلك لم يحدث، الأمر الذي رمى بالسلطة كاملة بين يدي قيادة الحرس الثوري التي غدت تمسك بكامل خيوط العملية السياسية والعسكرية وتديرها، ولا ترغب في اختيار مرشد جديد قد لا تضمن سيطرتها الكاملة عليه، وهذا ما يجعلنا نفهم دوافع المستجدات الأخيرة بتحريك ورقة المليشيات في اليمن والعراق بشكل أكثر عنفا، وبالذات ضد السعودية بحيث يمكن لإيران التبرؤ من هذه الأفعال وهو ما حدث بالفعل.
وفيما تمسك إيران بكل مفاصل النظام الهش في العراق وتحكم كل توجهاته السياسية رغم كل محاولات تجميل وجهه لكنها -بحكم الجغرافيا والواقع القائم- لا تملك القدرة على التحكم بمجريات الأمور في اليمن كما تفعل في العراق.
فهي اضطرت لوقف رحلاتها الجوية إلى صنعاء بعد أن تلقت تهديدات جدية بإسقاط أي طائرة مدنية جديدة ستخترق الأجواء اليمنية، كما أنها لا تستطيع خوض معركة مساندة مباشرة مع الحوثيين بسبب عدم وجود حدود متصلة، وإن كانت زودتهم بالخبرات والكوادر الفنية والعسكرية التي تعتقد أنها ستساعدهم في الصمود أمام أي محاولة من الحكومة اليمنية الشرعية لاستعادة سيطرتها على المساحة الجغرافية التي يديرونها منذ عام 2014.
وجاء إعلان عبد الملك الحوثي في خطابه قبل أيام باستهداف الموانئ والمطارات السعودية وما تبعه من إعلان متحدث قواته عن حصار الموانئ السعودية في البحر الأحمر، وضرب عدد من سفن النفط السعودية في البحر الأحمر كتصعيد كبير جدا ردا على منع الطيران الإيراني من تسيير رحلات بين طهران وصنعاء من ناحية.. ومن ناحية أخرى تخفيف الضغط على إيران من خلال التلويح بفتح ورقة باب المندب والملاحة في البحر الأحمر والتي لن تقتصر في المرحلة القادمة على السفن السعودية، بل ستمتد قطعا إلى أهداف أكثر شمولية للضغط على العالم كله وليس الإقليم فقط، إذ لا يقل مضيق باب المندب أهمية عن مضيق هرمز بل لعله أهم بمراحل لأنه الممر التجاري الأهم الرابط بين قارتي آسيا وأوروبا.
وسيكون الحوثيون بتصعيدهم العسكري في البحر الأحمر قد حققوا هدفين: الأول رد بعض الجميل لإيران التي لم تبخل عليهم بالدعم العسكري والنفطي والأمني والاستشاري، والثاني تقديم أنفسهم للإقليم والعالم كرقم لا يمكن تجاهله أو تجاوزه.
ومن هنا نفهم تعمدهم للتصعيد الخارجي ضد المملكة العربية السعودية، وتجنبهم لأي تصعيد داخلي حقيقي ضد قوات الحكومة الشرعية لأنهم يدركون أن ملف تمردهم وانقلابهم على الحكومة المعترف بها دوليا لم يعد يحظى بالأولوية والاهتمام الكافي من قبل المجتمع الدولي منذ عدة سنوات حين منع -هذا المجتمع- القوات الحكومية من استعادة مدينة وميناء الحديدة عام 2018 وقيدها باتفاق ستوكهولم، ولاحقا بعد وضعه في ثلاجة اللاحرب واللاسلم منذ هدنة عام 2022.
من الواضح أن الحركة الحوثية ترغب في اللحظة الراهنة في تجنب أي مواجهة داخلية مع قوات الحكومة الشرعية التي باتت في وضع أفضل بكثير مما كانت عليه قبل شهر يناير/كانون الثاني الماضي، وتعمل -أي الحركة الحوثية- على تصعيد خلافها مع المملكة العربية السعودية التي سعت منذ 4 سنوات لحل سلمي يمني، واقترحت مشروع خارطة الطريق التي تبنتها الأمم المتحدة لاحقا وحظيت بدعم المجتمع الدولي.
وهذا التصعيد الحوثي مع المملكة مدروس بعناية ويحظى بدعم إيراني حيث لا تريد طهران الدخول في صدام مباشر مع المملكة وتجنبت قصفها في الفترة الأخيرة في محاولة لتحييدها، لكنها في الوقت ذاته شجعت حليفها في صنعاء للقيام بذلك بحجة رفع الحصار عن اليمن أو بالأحرى على المناطق التي يسيطر عليها الحوثيون.
وهي حجة لم تقنع أحدا لأن العالم يعلم أن ميناء الحديدة مفتوح لكل الواردات في ظل آلية رقابة متراخية، كما أن مطار صنعاء مفتوح أمام الوجهات التي يحتاجها اليمنيون للسفر بإشراف الحكومة الشرعية التي سبق أن سلمت الحوثيين 3 طائرات مدنية تتبع الخطوط الجوية اليمنية لنقل المواطنين اليمنيين إلى العاصمة الأردنية عمان، لولا تعمد الحوثيين قصف مطار بن غوريون في تل أبيب خلال حرب غزة والذي استجلب عدوانا إسرائيليا على مطار صنعاء دمر الطائرات المدنية الثلاث الرابضة فيه.
لذلك تجد إيران ومعها الحركة الحوثية مصلحة مشتركة في التهديدات التي تطلقها هذه الأخيرة ضد السعودية وموانئها ومطاراتها وسفنها.
والمؤكد أن الحركة الحوثية لن تتمكن من إغلاق باب المندب بسبب عدم وجود مليشيات تابعة لها تطل على المضيق، كما أن ذلك يحول بينها وبين فرض رسوم مرور كما تريد أن تفعل إيران في مضيق هرمز.
بيد أنها قادرة على التضييق على حركة الملاحة في البحر الأحمر ليس فقط على السفن السعودية بل على كل من تريد، وهو ما جعل الصين -بحسب رويترز- تبلغ إيران بأنها تفاوضت مباشرة مع الحوثيين لتأمين مرور سفنها وناقلاتها عبر البحر الأحمر، وهي من الناحية الفعلية سابقة تشرعن لأعمال القرصنة البحرية، وسيعني ذلك أن على دول أخرى فعل السلوك ذاته لضمان سلامة ناقلاتها، وهو قطعا أمر لن تقبله الدول المطلة على البحر الأحمر ومعظم الدول الأوروبية ومعها الولايات المتحدة.
حيث لن يحتمل العالم المزيد من الضغط على اثنين من أهم شرايين الاقتصاد والنقل العالمي في الوقت ذاته، ولذلك نجد العديد من الدول من مختلف أنحاء العالم تجاوبت مع دعوة المملكة العربية السعودية لإنشاء تحالف دولي بحري لتأمين الملاحة وبالذات في البحر الأحمر أُعْلِنَ عنه نهاية الأسبوع الماضي في الرياض، بحضور قيادات عسكرية رفيعة المستوى من 14 دولة على الأقل.
في وقت كان وزير الدفاع السعودي يجري زيارة وصفت بالهامة للولايات المتحدة الأمريكية التقى خلالها بالرئيس الأمريكي دونالد ترمب ونائبه جيه دي فانس ووزير الحرب بيت هيغسيث وقيادات أخرى في الإدارة الأمريكية، وهي زيارة ترتبط قطعا بالمستجدات في المنطقة وفي مقدمتها خفض التصعيد مع إيران، والاتفاق على اتجاهات الحل في اليمن سياسيا وعسكريا على ضوء التهديدات الحوثية للمملكة.
ويظل السؤال الكبير الذي يجب أن يشغل المنطقة والعالم الحر: إلى متى سيستمر في مشاهدة الجماعات المسلحة وهي تقوض الدول الوطنية وتدمر أمنها واستقرارها؟
وهذا ما يجعلنا نتساءل عن مدى إدراك الإقليم والعالم لأهمية استعادة الدولة الوطنية في العديد من بلدان المنطقة التي انعكست اضطراباتها الداخلية وعدم استقرارها سلبا على محيطها، فهذه الدول لن تتمكن من استعادة أمنها واستقرارها دون دعم من محيطها ودون مساندة المجتمع الدولي ودون قطع الإمداد الذي يغذي شرايين المليشيات في هذه الدول بالمال والسلاح.









