ورغم الفتوى الشهيرة للمرشد الإيراني الراحل آية الله الخامنئي الصادرة في أكتوبر/تشرين أول ٢٠٠٣م بتحريم صنع قنبلة نووية إلا أن كل ما أنجزته إيران في مجال التخصيب خلال السنوات الماضية بكميات تقترب من إمكان بناء قنبلة نووية يؤكد أن برنامجها تجاوز تلك الفتوى التي قد تكون صدرت لطمأنة المجتمع الدولي أكثر مما هي فتوى تحريم بالفعل، وهذا لا يعني سوى أن آلية الرئيس ترامب في ولايته الأولى بالانسحاب من الاتفاق النووي واستبدالها بالمزيد من العقوبات لم تكن صائبة بالقدر الكافي فقد استثمرتها إيران في إعادة التخصيب بكثافة، كما أنها قيدت خلفه بايدن - الذي اعتُبِر عهده امتداداً موضوعياً لعهد أوباما - من أي إجراءات فلا هو استطاع إحياء الاتفاق النووي بحذافيره كونه لم يعد صالحاً رغم كل محاولاته لإحياء عملية تفاوضية جديدة خلال الثلث الثاني من عام ٢٠٢٢م، ولا هو استطاع وقف استئناف إيران برنامجها النووي بنمطه الذي سبق اتفاق ٢٠١٥م بفاعلية أكبر وأنشط وأسرع، وليأتي بعد ذلك زلزال السابع من أكتوبر/تشرين أول لتنتقل المنطقة والعالم بعده لمسارات جديدة من الصراع.
المتأمل لمسارات الصراع الإيراني الغربي عموماً والأمريكي خصوصاً يجد نفسه أمام استنتاجات ونتائج غريبة ولا تستقيم مع دواعي وسرديات هذا الصراع من وجهة النظر الأمريكية على الأقل التي تعلن أنها تريد تحجيم الدور والنفوذ الإيراني في المنطقة.. فمنذ نهاية الحرب العراقية الإيرانية عام ١٩٨٨م نجد أن الدور الإيراني في المنطقة يتسع ويزداد باضطراد، بعد أن حصرت حربها مع العراق سياساتها وطموحاتها ومشاريعها لتصدير الثورة في حدودها طوال السنوات الثمان لتلك الحرب، ولم تجد خلالها سوى نافذتي إسرائيل والولايات المتحدة لتزويدها بالسلاح وقطع الغيار فيما عرف بعد ذلك بفضيحة (إيران كونترا جيت).. وقد كان التدخل الدولي لتحرير الكويت من الاحتلال العراقي الكارثي أول مدخل انتهزته إيران للانطلاق من حدودها والشروع بدور إقليمي ساندها فيه الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد الذي كان أول جسر عبور لها للخوض في كل تفاصيل المنطقة العربية بدءاً بتثبيت شراكة سياسية وأمنية كبيرة وممتدة مع حكم آل الأسد مروراً بتعزيز البنية التنظيمية والسياسية والعسكرية لحزب الله في لبنان كأول كيان سياسي عربي يَدين بوضوح وبدون تحفظ بالولاء الصريح للولي الفقيه في إيران وهي سابقة غير معهودة في المنطقة على المستوى الإسلامي لا يشبهها إلا ولاء الأحزاب الشيوعية العربية للحزب الشيوعي السوفيتي في موسكو.. لاحقاً امتد النفوذ والتأثير الإيراني ليشمل العراق بعد احتلال الولايات المتحدة الأمريكية له وإسقاط نظام الرئيس صدام حسين في ٩ إبريل/نيسان ٢٠٠٣م.
نجحت إيران في توظيف كل أو معظم التدخلات الأمريكية في المنطقة لمصلحتها بصور وأشكال متفاوتة بدءاً من حرب تحرير الكويت مروراً بحرب أفغانستان وليس انتهاءً بحرب احتلال العراق التي كانت ذروة هذه النجاحات وهو دور ممتد حتى اليوم رغم كل الضربات الموجعة سياسياً وعسكرياً واقتصادياً التي تلقتها طهران منذ ولاية ترامب الأولى وحتى الآن.. فالعراق هو الجائزة الكبرى التي لن تتنازل عنها إيران أو تقبل إضعاف نفوذها فيه مهما كانت الضغوط، إذ هو اليوم بوابتها الغربية المطلة على المنطقة بعد أن كان البوابة الشرقية الحامية للوطن العربي.. ولازال الدور الإيراني المؤثر في اختيار رؤساء الحكومات العراقية قائماً حتى اللحظة، وكلما تبادر إلى الأذهان أن هذا أو ذاك متحرر إلى حد ما من هذا النفوذ والتأثير نكتشف لاحقاً أنه لا يستطيع تجاوزه، وهو ما ظل يتكرر منذ انتهاء ولاية حيدر العبادي حتى الآن، بل وحتى محاولات الانفتاح على الدول العربية التي جرت في السنوات الأخيرة ظلت وستظل محكومة بعدم تعارضها مع مصالح ونفوذ إيران، وهو أمر معلوم تؤكده الأحداث والمستجدات على الدوام.
وإذا كانت الأحداث السابقة تمت في عهد الرئيسين الجمهوريّين بوش الأب وبوش الإبن فإن الديمقراطي باراك أوباما أطلق يد إيران في المنطقة العربية كإثبات حسن نوايا في البداية لتشجيعها على الاستمرار في المفاوضات المعقدة، وفي الختام كمكافأة على توقيع الاتفاق النووي في ٢٠١٥م والذي تم برعاية الدول الخمس الكبرى + ألمانيا.. ففيما كانت إيران قبل هذا الاتفاق تستمتع بنفوذها في العراق ولبنان أعطاها أوباما الضوء الأخضر لبسط نفوذها الأمني والعسكري في سوريا لحماية نظام الأسد، واليمن لتمكين حلفائها الحوثيين من السيطرة عليه عقب أحداث الربيع العربي، وكما يقول وزير الخارجية الإيراني الراحل أمير عبداللهيان في كتابه (صبح الشام) أنهم قدموا لأوباما تنازلات في الملف النووي مقابل إطلاق يد إيران في سوريا لإنقاذ نظام الأسد الإبن، وفيما يخص اليمن ولبنان كان أوباما يشجع صراحة على تقاسم النفوذ بين إيران والسعودية لكن الرياض أعلنت رفضها لمقترحاته ومبادرات وزير خارجيته جون كيري.
واليوم في هذه اللحظة الحرجة من تاريخ المنطقة لا تبدو في الأفق أية نهايات مطمئنة للتدخل الأمريكي الأخير فلازالت إيران تناور في مفاوضاتها ولا تبدي أي مرونة بشأن كميات اليورانيوم المخصب والسيطرة على مضيق هرمز، ولا تأبه قطعاً بمصالح جيرانها من دول المنطقة التي تضررت من هذا الصراع أولاً قبل تضررها تالياً من إقحام المضيق في المعركة بما انعكس سلباً على اقتصادات معظم دول العالم.. وبالتأكيد فلن يقبل ترامب إلا أن يخرج من هذا الصراع باتفاق أو تصعيد يحفظ له ماء الوجه فيما الموقف الإيراني لا يجد أساساً ما يخسره، وهو يدرك جيداً أن هذا التدخل الأمريكي الجديد مكنه من مكسب لا يقل أهمية عن مكاسبه السابقة في العراق والمنطقة بل قد يفوقها من الناحية الإستراتيجية وهو السيطرة الصريحة على مضيق هرمز الذي لم تتوفر لإيران أياً من مبرراته خلال العقود الماضية.. وليس من الواضح حالياً الآليات التي ستدير بها إيران أوراق ضغطها وفي مقدمتها مضيق هرمز في المفاوضات القادمة - حتى وإن جاءت بعد ضربة عسكرية محدودة محتملة كما توحي المؤشرات - تكون مقدمة لانسحاب واشنطن من ملف هرمز وتركه لدول المنطقة وأوروبا والصين لمعالجته مقابل تنازل إيراني مدروس في ملف اليورانيوم المخصب يغلق الملف النووي بشكل مؤقت ويؤجل طموحات إيران ومشاريعها النووية لزمن قادم آخر.










