خطاب النموذج ومحك الواقع: الرئيس العليمي يضع الحكومة الجديدة في قلب معركة الشرعية

شباط/فبراير 10, 2026

بعد طول انتظار، وفي ظل الظروف الاستثنائية التي تمر بها اليمن، يبرز خطاب الرئيس الدكتور رشاد العليمي، رئيس مجلس القيادة الرئاسي، للحكومة الجديدة كوثيقة توجيهية استراتيجية تحاول تشكيل بوصلة عمل مؤسسي في بيئة بالغة التحدي والتعقيد. الخطاب، بتركيزه المكثف والذكي، يبدو موجهاً للحكومة كجهة مخاطبة رئيسية أكثر من كونه للشعب، وهذا شيء مهم في أول اجتماع، بحيث يتجاوز الخطاب السياسي التقليدي الموجه للرأي العام ليصبح برنامج عمل تفصيلياً وضابط إيقاع للحكومة الجديدة في المرحلة القادمة، مما يعكس نظرة رئيس مجلس القيادة الرئاسي لدور هذه الحكومة ليس كإدارة روتينية بل كأداة تحول مفصلي في المرحلة المقبلة.

تعز تايم| رأي - مسؤول الدائرة السياسية في الحزب الاشتراكي بتعز فهمي محمد

افتتح الرئيس العليمي خطابه بالترحيب بالحكومة الجديدة والتهنئة لها، مُوصِّفاً مرحلتها القادمة بأنها "مرحلة التحديات"، مما يجعل العمل فيها "مغْرَماً وليس مَغْنَماً" وهي إشارة واضحة إلى أن الطريق أمامها سيكون شاقاً وتضحياته كبيرة، بعيداً عن منطق المنفعة الشخصية أو المكاسب الضيقة. ولم يغفل الرئيس عن شكر وتقدير الحكومة السابقة على جهودها الكبيرة، في إشارة لضمان الاستمرارية وتقدير العمل الوطني في أصعب الظروف.

وانطلاقاً من إدراكه العميق لحاجة اليمنيين الملحة إلى دولة قادرة على إعادة بناء العقد الاجتماعي المنهار، وجَّه الرئيس رسالة محورية لأعضاء الحكومة حين أكد أنهم "ليسوا موظفي دولة، بل قادة"، وهي إشارة ذكية تضع على عاتقهم مسؤولية خلق "نماذج الدولة" في سلوكهم وأدائهم، قبل أن يطالبوا بها من المواطنين. وأكد في الوقت ذاته على "المسؤولية التضامنية" بين أعضاء الحكومة كفريق عمل متكامل، لا يجوز فيه التفريط أو التخاذل.

ولتأطير المهمة بشكل عملي، طرح الرئيس سؤالاً استفهامياً مركزياً: "ما معنى الحكومة في ظل هذه الظروف؟ وما هو المطلوب منها وما هدفها؟" ليجيب هو نفسه بخبراته المتراكمة بأن هذه الحكومة هي "حكومة شراكة وطنية"، تمثل أيضاً "نقلة تدريجية للشباب والمرأة" نحو مستقبل القيادة، حيث تتولى ثلاث وزيرات حقائب وزارية في خطوة رمزية وعملية. أما الهدف الأكبر، فهو "استعادة الدولة والقضاء على انقلاب مليشيات الحركة الحوثية"، وعلى هذا الأساس يجب "تسخير كل الإمكانيات والطاقات" لتحقيق هذا الهدف المركزي.

ولم يخف الرئيس حجم التحديات ووصفها بالكبيرة، لكنه رسم طريق تجاوزها ليس بالشعارات بل "بالعمل ثم العمل ومكافحة الفساد والإبداع خارج الصندوق"، محذراً في الوقت نفسه من أن يكون الأداء قائماً على "العلاقات الاجتماعية والحديث في مجالس القات" في إشارة مباشرة إلى ضرورة القطيعة مع ثقافة الإدارة التقليدية والمحسوبية التي أنهكت الدولة.

في صلب رسالته يضع الرئيس العليمي، بناءً على هذه المقدمة التأسيسية، مفهوم "صناعة النموذج" كخيار إجباري وليس كرفاهية، وهو مفهوم يحمل أبعاداً متعددة. فهو من ناحية نموذج للحوكمة قادر على استعادة ثقة المواطن المتآكلة تجاه السلطة بعد سنوات من الصراع وسوء الإدارة، ومن ناحية أخرى نموذج للشرعية السياسية في مواجهة "المشروع العنصري للحوثية" الذي يصوره الخطاب كمشروع طائفي منفلت مدعوم إيرانياً. هنا، يربط العليمي بشكل وثيق بين نجاح الحكومة في تقديم الخدمات وإدارة الاقتصاد وبين المعركة الوجودية مع الحوثيين، معتبراً أن تحسين حياة المواطن في المناطق الخاضعة للسلطة الشرعية هو جزء لا يتجزأ من الحرب وليس مساراً موازياً منفصلاً. هذا الربط الذكي يحول المهام الخدمية والاقتصادية الصعبة من كونها عبئاً إدارياً إلى سلاح استراتيجي في صراع الشرعية اليمنية.

يعتمد الخطاب بشكل صريح وواضح على "الشراكة الاستراتيجية" مع المملكة العربية السعودية، ويرتقي بها إلى مستوى المصير المشترك والأمن المشترك، مع تحذير صارم من التفريط بها أو مقارنتها بعلاقات أخرى. هذا التركيز ليس اعتباطياً، فهو يشير من جهة إلى الحاجة الماسة للدعم المالي والسياسي والعسكري السعودي كشرط لبقاء الكيان السياسي، ومن جهة أخرى قد يكون محاولة لطمأنة الشريك السعودي واستباق أي مخاوف من تحولات محتملة. الدعم السعودي يظهر ليس كعامل مساعد فحسب، بل كأحد أركان "الطريق الآمن للمستقبل"، مما يعكس درجة الاعتماد الكبيرة ويوحي بعلاقة تكاملية عميقة قد تشكل قيداً واستثماراً في آن واحد.

على الصعيد الاقتصادي، الذي يحتل حيزاً كبيراً من الخطاب، يقدم العليمي تشخيصاً واقعياً قاسياً: معركة موازية ضد دائرة الفقر والتضخم وفقدان الثقة في المؤسسات. الحلول التي يطرحها تركز على الانضباط المالي الصارم، ووقف استنزاف الموارد خارج الخزينة العامة، ودعم استقلالية البنك المركزي. هذه النقاط تشير بشكل غير مباشر إلى أمراض مزمنة مثل الاقتصاد الموازي، والفساد، وسيطرة قوى خارج المؤسسة الرسمية على موارد الدولة. التأكيد على أن "كبح التضخم... هو المعيار اليومي الذي يقيس به المواطن صدقية الدولة"، حيث تتحول القدرة على تأمين لقمة العيش إلى مؤشر رئيسي لشرعية الحكم.

يخصص الخطاب مساحة مهمة لقضية الأمن وسيادة القانون، ويرد على "سرديات الفراغ الأمني" باعتبارها محاولة لإرباك الثقة واستهداف الجهود السعودية لتوحيد الصف الأمني والعسكري. هذا الرد يكشف عن حساسية بالغة تجاه الصورة الأمنية في الداخل والخارج، ويحاول تحويل التحدي إلى فرصة لتأكيد الانضباط المؤسسي.

يظهر الخطاب أيضاً وعياً عميقاً بالانقسامات المجتمعية الداخلية، فيحذر من خطاب الكراهية الطائفية والمناطقية ويؤكد على حماية الحريات العامة والعاملين في المجال الإنساني. كما يلفت النظر الإشارة الواضحة إلى "القضية الجنوبية" باعتبارها قضية سياسية وطنية عادلة يجب معالجتها عبر الحوار وليس الإقصاء. هذا يعكس إدراكاً بأن استقرار الكيان السياسي الذي يرأسه العليمي لا يعتمد فقط على هزيمة الحوثيين عسكرياً، بل أيضاً على معالجة جراح المظالم التاريخية وإدارة التعددية الداخلية بشكل تعاقدي، وهو اختبار بالغ التعقيد.

يوجه العليمي رسائل حازمة للحكومة نفسها ككيان، مؤكداً أنها ليست "ساحة اصطفاف سياسي" بل أداة دولة، وحاذراً من أن أي انقسام داخلي سينعكس سلباً على حياة الناس. هذا التحذير يشي بوجود هواجس من إمكانية تحول الخلافات السياسية بين مكونات الحكومة أو الأحزاب الداعمة لها إلى عائق أمام الأداء، مما قد يكرس أزمة المواطن الذي "لا يعنيه من ينتصر سياسياً بل من يدفع الرواتب ويقدم الخدمات".

في مجمله، يمثل الخطاب خريطة طريق طموحة ومحفوفة بالمخاطر. فهو يحاول الجمع بين أولويات قصوى متشابكة: استمرارية الحرب مع بناء الدولة، ومعالجة الانهيار الاقتصادي مع استعادة الشرعية السياسية الاجتماعية، والاعتماد على دعم إقليمي مطلق مع الحفاظ على هوية وطنية، ومعالجة المظالم الداخلية مع الحفاظ على الوحدة في مواجهة عدو خارجي. نجاح هذه الحكومة، حسب توجيهات الخطاب الرئاسي، لن يُقاس بتحقيق انتصارات سياسية مجردة، بل بقدرتها الملموسة على "توفير الحد الأدنى من المعيشة والخدمات" وتحقيق "استقرار اقتصادي" ينعكس على حياة الناس.

الخطاب يدرك أن معركة الشرعية في اليمن اليوم قد انتقلت بشكل كبير من ساحات القتال إلى محفظة الرواتب، وأسواق الغذاء، ومحطات الكهرباء وحنفية الماء. وهو بذلك يضع عبئاً تاريخياً على عاتق الحكومة الجديدة، جاعلاً منها محكاً ليس فقط لكفاءة الإدارة، بل لجدوى المشروع السياسي الذي تمثله السلطة الشرعية برمتها في اليمن. التحدي الأكبر سيكون في ترجمة هذا الخطاب الشامل والطموح، بما فيه من توجيهات تأسيسية بدءاً من مفهوم القيادة وليس الموظفين، ومروراً بالشراكة الوطنية ووضوح الهدف، ووصولاً إلى منهجية العمل المتجرد من الفساد والعلاقات التقليدية، إلى إجراءات ملموسة على الأرض، في بيئة تموج بالقوى المسلحة والمصالح المتضاربة والموارد الشحيحة، حيث غالباً ما تغيب سلطة المركز لصالح سلطة الأمر الواقع المتناثرة. فهل استوعبت الحكومة اليمنية خطاب رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي؟

Additional Info

  • المصدر: تعز تايم| رأي - فهمي محمد
Rate this item
(0 votes)
LogoWhitre.png
جميع الحقوق محفوظة © 2021 لموقع تعز تايم

Design & Developed by Digitmpro