التعفّن الدماغي: حين نعيش حياة أسرع من قدرة أدمغتنا على الاحتمال

شباط/فبراير 02, 2026
مؤخرًا بدأت ألاحظ حالة ذهنية منتشرة، غير حادة لكنها مستنزِفة، لا تُشبه القلق الواضح ولا الاكتئاب الصريح، لكنها تُضعف التركيز، وتُثقِل التفكير، وتترك الإنسان حاضرًا جسديًا وغائبًا ذهنيًا. هذه الحالة لا تأتي من صدمة واحدة ولا من حدث كبير، بل من نمط حياة كامل. ما يمكن تسميته بالتعفّن الدماغي.
 
التعفّن الدماغي ليس مصطلحًا طبيًا دقيقًا، لكنه توصيف لحالة استهلاك عصبي مزمن ناتج عن التعرّض المفرط وغير المنقطع للمثيرات. أخبار، آراء، مقاطع قصيرة، إشعارات، محتوى سريع ومتناقض، يدخل بلا توقف ولا يمنح الدماغ
 
فرصة للفهم أو الإغلاق.
 
الدماغ البشري لم يُصمَّم لهذه البيئة. فطرة الإنسان العصبية بُنيت على إيقاع أبطأ: أحداث محدودة، علاقات مباشرة، فترات صمت طويلة، وانتقال طبيعي بين الانتباه والراحة. ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا * وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا﴾ فيها إشارة واضحة إلى الإيقاع، إلى الفصل، إلى أن الاستمرار دون توقف ليس طبيعة إنسانية.
 
الحياة الحديثة ألغت فكرة “الانتهاء”. العمل لا ينتهي، الأخبار لا تنتهي، المقارنات لا تنتهي، والسوشيال ميديا لا تعرف التوقف. لم تضف لنا محتوى فقط، بل ألغت الإغلاق الذهني. كل شيء مفتوح، دائم، ومتدفق بلا حدود.
 
من منظور علم الأعصاب، كل مثير جديد يُعامل كإشارة محتملة تحتاج تقييمًا. ومع هذا التدفق المستمر، يبقى الجهاز العصبي في حالة تنبيه منخفضة لكنها دائمة. لا خطر واضح، ولا راحة حقيقية. وهذا يفسر معنى قوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ فالتحميل المستمر بلا فواصل ليس من الوسع، ولو بدا عاديًا في ثقافة اليوم.
 
وهنا تتكوّن المشكلة الحقيقية: الدماغ لا يتعفّن لأنه ضعيف، بل لأنه يُستخدم خارج طبيعته. لا يُعطى وقتًا ليُغلق الدوائر المفتوحة، ولا مساحة ليُعيد ترتيب ما دخل. الإدخال مستمر، والمعالجة مؤجلة دائمًا.
 
هذه الحالة منتشرة جدًا، لكنها غير مُسمّاة. الناس لا تقول “أنا أعاني من تعفّن دماغي”، بل تقول: – ما أقدر أركّز – أحس بثقل بدون سبب – ما لي خلق أبدأ – كل شيء صار متعب وهذا ينسجم مع قول النبي ﷺ: «إنَّ لِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا» حق في التخفف، وحق في التوقف، وحق في ألا تُستهلك بلا حدود.
 
لكن التعفّن الدماغي لا يصيب الجميع بنفس الدرجة. أكثر الفئات عرضة له: العاملون ذهنيًا، الذين عملهم قائم على التفكير المستمر والرد السريع دون نهايات واضحة. مستخدمو السوشيال ميديا بكثافة، خصوصًا المحتوى القصير والتصفح اللانهائي. الأشخاص “الواعون” أكثر من اللازم، الذين يقرأون ويتابعون ويتفاعلون دون فترات هضم. وأخطرهم: من تبدو حياتهم مستقرة ظاهريًا، لكنهم يشعرون بثقل داخلي وبلادة غير مفسّرة.
 
آثار هذه الحالة لا تظهر دفعة واحدة، بل تتسلل بهدوء: ضعف التركيز، تشتت الانتباه، صعوبة الجلوس دون شاشة، نفور من المهام العميقة، بلادة عاطفية، فقدان المتعة، وصعوبة اتخاذ القرار. وهذا يفسر قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾ والضنك هنا ليس فقرًا، بل ضيقًا داخليًا رغم توفر الأسباب ، والذكر هنا لا يُفهم فقط كألفاظ، بل كحالة حضور وانتظام داخلي تمنح العقل مرجعية ثابتة وسط الضجيج.
 
المشكلة أننا نُخطئ التشخيص. نعتقد أن الحل في تحفيز أكبر، أو إنتاجية أعلى، أو محتوى “أقوى”. بينما الحقيقة أن الدماغ لا يحتاج المزيد، بل يحتاج حدودًا. يحتاج أن يعرف متى يبدأ ومتى ينتهي.
 
وهنا تظهر أهمية فترات الصمت. الصمت ليس فراغًا، بل مساحة معالجة. فطرة الإنسان لم تُخلق لتعيش في استقبال دائم، بل لتنتقل بين الإدخال والتوقف. ولهذا عرف البشر تاريخيًا الخلوة، والمشي، والجلوس بلا مؤثرات، لا كممارسات علاجية، بل كجزء طبيعي من الإيقاع اليومي.
 
في الإسلام، لم تكن العبادة إضافة للحياة، بل إيقافًا لها مؤقتًا حتى لا تستهلك الإنسان. الصلاة تقطع سيل المدخلات وتعيد التركيز لنقطة واحدة. السجود يخفّض التوتر الفسيولوجي ويُسقط وهم السيطرة. الذكر إيقاع ثابت يخرج العقل من التشتت. والخلوة ممارسة معروفة، لا هروبًا من الواقع بل ترتيبًا له.
 
وكذلك التأمل والصمت المقصود في جذورهما الإنسانية القديمة: ليسا أنشطة تحسين أداء، بل فترات إيقاف للاستقبال. الجلوس بلا مؤثرات، التنفّس الهادئ، والمشي البطيء، كلها ممارسات تعيد الدماغ من وضع التلقّي المستمر إلى وضع المعالجة. الفكرة واحدة: تقليل المدخلات حتى يستطيع العقل إغلاق دوائره المفتوحة، لا إضافة طقوس جديدة إلى حياة مزدحمة.
 
المشكلة ليست في غياب هذه الممارسات، بل في تحويلها إلى مهام إضافية. حين تصبح العبادة أو الصمت بندًا في جدول مزدحم، تفقد وظيفتها العصبية. فائدتها الحقيقية تظهر حين تُفهم كفترة صمت إدخالي، لا كإنجاز جديد.
 
الحل إذًا لا يكمن في الهروب من العالم، ولا في محاربة التقنية، بل في استعادة السيطرة على بوابة الانتباه. تقليل التعرّض غير الضروري، خلق فواصل حقيقية بلا شاشة، فصل واضح بين العمل والراحة، وإعادة إدخال الصمت كجزء من الحياة لا كترف.
 
في النهاية، التعفّن الدماغي ليس ضعفًا شخصيًا، بل نتيجة حياة تسير أسرع من قدرة الدماغ على المعالجة. وحين نُعيد للحياة حدودها، لا تتغير الظروف كثيرًا، لكن يتغير وعينا بها، ويعود العقل أخف وأكثر حضورًا.

Additional Info

  • المصدر: تعز تايم
Rate this item
(0 votes)
LogoWhitre.png
جميع الحقوق محفوظة © 2021 لموقع تعز تايم

Design & Developed by Digitmpro