نزيف اقتصادي خطير.. 5 مليارات دولار تغادر اليمن خلال عامين وسط هروب متصاعد لرؤوس الأموال

أيار 10, 2026

يتسارع النزيف الاقتصادي في اليمن بوتيرة غير مسبوقة، مع تحول الحرب والتوترات الإقليمية إلى عامل طرد مباشر لرؤوس الأموال والاستثمارات، في وقت يواجه فيه البلد واحدة من أعقد الأزمات المالية والمعيشية في تاريخه الحديث. ويحذر خبراء اقتصاد من أن استمرار هذا النزيف يهدد ما تبقى من القاعدة الاستثمارية وفرص التعافي في البلد الأكثر هشاشة في المنطقة. وكشف خبير اقتصادي أن بين ثلاثة إلى خمسة مليارات دولار غادرت اليمن خلال العامين الماضيين فقط، في مؤشر يعكس خطورة الوضع الاقتصادي المتردي والهش، والذي فاقمته الحرب والصراع الإقليمي، وسرع من عملية انهياره ونزيف ما تبقى من مدخرات وطنية.


هروب رؤوس الأموال
وأرجع الخبير الاقتصادي وأستاذ الاقتصاد المالي بجامعة عدن خلدون الدوش، في تصريح لـ"العربي الجديد"، هذا الاستنزاف الذي يصفه بالخطير للأموال وهروبها إلى خارج اليمن، إلى تحليل دقيق قام به للاحتياطيات الأجنبية المنهارة، وتراجع حجم التحويلات، وبيع كبرى الشركات لأصولها، وهو ما أدى إلى ارتفاع مخاوف الرساميل الوطنية وهروبها إلى خارج البلاد، مشيراً إلى عدم وجود أرقام رسمية دقيقة لحجم الأموال الساخنة التي هربت من اليمن، وهذا مؤشر خطير بحد ذاته. وفي الوقت الذي يعتبر فيه كثيرون الحرب الإقليمية وتبعاتها الاقتصادية الكارثية الأزمة الأخطر التي تمر بها المنطقة، حيث لن تقف تأثيراتها عند قطاع اقتصادي في أي دولة عربية، ستكون تأثيراتها مضاعفة على اليمن تحديداً، وهو البلد الأكثر هشاشة والأقل منعة.
وقال الدوش لـ"العربي الجديد" إنّ الأموال الساخنة تتفاعل مع التوترات الإقليمية بهلع مصحوب بالحذر والفطنة. وبمجرد أن يرتفع منسوب التهديد – كما نشهد اليوم في البحر الأحمر وخليج عدن – يبدأ المستثمرون بعملية "إعادة ترتيب للأوراق"؛ تجميد المشاريع، وتحويل الأصول إلى دولارات، ثم نقلها بسرعة إلى دبي أو الرياض أو إسطنبول. وامتنع الدوش عن وصف ذلك بالخيانة، معتبراً أنها غريزة بقاء اقتصادي. ويعاني اليمن تحديات ومعوقات جسيمة في البيئة الاستثمارية فاقمتها الحرب والتوترات الإقليمية بشكل كبير، مسبّبة نزيفاً مالياً قد يكون الأخطر الذي تشهده البلاد، إذ يأتي ذلك في ظل أزمة مالية هي الأكبر، مع تراجع الاستثمارات وتمويلات المانحين والجهات التمويلية الدولية، إضافة إلى التوقعات بتراجع تحويلات المغتربين.
تجار الحروب
وأكد المستشار الاقتصادي برئاسة الجمهورية في اليمن فارس النجار، في تصريح لـ"العربي الجديد"، أن رؤوس الأموال والاستثمارات تنفر من أي حالات من عدم اليقين تحصل، وكلما ارتفعت المخاطر الأمنية والجيوسياسية ارتفعت معها ما يسمى بعلاوة المخاطر، لذا تصبح كلفة الاستثمار أعلى، وهنا تميل رؤوس الأموال إما إلى التأجيل وإما إلى الخروج أو التمركز في أصول أكثر أماناً. وفي بيئة اقتصاد الحرب ظهر تجار آخرون بارعون في العمل باقتصاد الحرب والاستفادة منه، وفق حديث النجار، لذا نلاحظ نشاط العقارات وشركات الصرافة، ونشاط غسل الأموال المكتسبة بطرق غير مشروعة، فهي التي تتحرك وتعمل في السوق، لأنها تنشأ من أفراد وكيانات ارتبطت بيئة أعمالهم باقتصاد الحرب. وشدد النجار على أنّ اليمن لا يمتلك سوقاً مالياً حتى نتحدث عن أموال ساخنة، فهذا المصطلح الخاص بهذه الأموال يُطلق في أسواق التداول، وعادةً ما تسافر هذه الأموال إلى دول أخرى للبحث عن الفائدة الأفضل، وهذا غير موجود في اليمن، في حين يصف هذه العملية في اليمن بأنها هروب أموال وليست أموالاً ساخنة، فهي إما تُكتنز وإما تخرج إلى خارج البلاد. بينما تظل الإشكالية قائمة في تحديد أرقام الأموال التي غادرت اليمن، بحسب المستشار الاقتصادي في رئاسة الجمهورية باليمن.
وفي السياق، تطرق الخبير الاقتصادي خلدون الدوش إلى أهم القطاعات الاقتصادية المتضررة مما يحصل، مشيراً إلى قطاع الاتصالات مع خروج شركات كبرى تعمل في هذا القطاع، إلى جانب قطاع العقارات، إذ إن هناك توقفاً تاماً للمشاريع العقارية الضخمة في هذا الجانب. إضافة إلى قطاعات الصناعات التحويلية، حيث قد نشهد إغلاقات متتالية، إلى جانب القطاع الأكثر تأثراً والمتمثل بقطاع النقل بسبب ارتفاع التأمين وتكاليف الشحن واستهداف السفن، عدا عن قطاع الصرافة، الذي تحول طوال السنوات الماضية في اليمن إلى سوق موازٍ للمضاربة وليس للوساطة المالية، فيما هناك تضخم صادم في عدد المحال والشركات، بعضها لم يكن يملك رأسمالاً حقيقياً يتجاوز بضعة آلاف من الدولارات، لكنه كان يدير ملايين الدولارات وكأنه بنك مركزي صغير.

وعندما بدأ البنك المركزي في عدن باتخاذ إجراءات تصحيحية – مثل توحيد سعر الصرف واشتراط تراخيص جديدة ورؤوس أموال حقيقية – انكشفت هشاشة هذا القطاع، الذي كان أحد أهم القطاعات التي هرب إليها التجار والمستثمرون ورؤوس الأموال في اليمن طوال سنوات الحرب والصراع في البلاد، ما مكنه من استقطاب أموال طائلة دارت في فلك المضاربة التي تبخرت، وفق توصيفات خبراء مصرفيين، كفقاعة في الهواء، بعد فترة من التضخم المالي الكبير والتحكم في السيولة النقدية التي اختفت منذ عامين بسبب الإجراءات التصحيحية التي ينفذها البنك المركزي اليمني.

من جانبه، وصف الخبير في اقتصاد الحرب والتعافي بعد الصراع يوسف شمسان المقطري، في تصريحه لـ"العربي الجديد"، بشكل أعمق هذا الوضع المتعلق بالرساميل والأموال الساخنة من اليمن، لافتاً إلى أن اليمن يفتقر إلى سوق مالي بالمعنى المتعارف عليه، وبالتالي فهو ليس بيئة جاذبة لـ"الأموال الساخنة" التي يبحث نمطها العالمي عن الفائدة. لكن هناك ما يمكن وصفه بالبديل، كما يشرح المقطري، حيث شبّه "أموال المضاربة بالعملة" في اليمن بالأموال الساخنة التي تتحرك في دول عالمية، والتي يتحكم فيها نافذون يمتلكون أدوات الدخول والخروج من السوق في توقيتات مدروسة، مما ينهك العملة المحلية، ويعرض المودعين في تلك الشركات – رغم عدم قانونيتها – لضياع أموالهم، ومع ازدياد رقابة البنك وانخفاض عائد المضاربة سوف ينعكس ذلك على شركات الصرافة التي لم تعد تجد الدخل المجدي لاستمرارها، وقد تواجه ذعراً مالياً في المستقبل.
وتشير التقديرات إلى أن حجم الأموال الهاربة من اليمن قبل الحرب ناهز 12 مليار دولار خلال عشر سنوات، بمعدل 2.7 دولار لكل دولار يحصل عليه اليمن، في حالات الاستقرار النسبي، غير أنّ هذا الرقم، بحسب إجماع خبراء اقتصاد، تضاعف الآن ليفوق تلك التقديرات بأضعاف في ظل غياب أرقام دقيقة توثق حجم النزيف خلال سنوات الحرب، خاصة أن تلك الأموال تعود من دخل الريع الحربي والنهب المنظم. ويرى الاقتصادي اليمني خلدون الدوش أنه ما لم تتوقف هذه الحرب والتوترات إقليمياً وداخلياً، وما لم تعد هيكلة القطاع المالي والمصرفي من جذوره، فإن اليمن مقبل على مرحلة من النزيف الاستثماري المفتوح. وقال الدوش: "لن يكون هناك استثمار أجنبي مباشر يُذكر، وسنعتمد على التحويلات والمساعدات فقط كشريان حياة هش"، مؤكداً أن هروب رؤوس الأموال لن يتوقف، بل سيتحول إلى هجرة هيكلية للثروات، مع كل ما يعنيه ذلك من تآكل للطبقة الوسطى وانهيار لأي فرصة للتعافي.

Additional Info

  • المصدر: تعز تايم - العربي الجديد
Rate this item
(0 votes)
LogoWhitre.png
جميع الحقوق محفوظة © 2021 لموقع تعز تايم

Design & Developed by Digitmpro