الحوثيون والحرب على إيران .. معضلة التوقيت وكلفة المشاركة Featured

آذار/مارس 28, 2026


سعيد ثابت سعيد


لم يعد السؤال اليوم ما إذا كان الحوثيون اقتربوا من الحرب أم لا، لأن الخطاب الصادر عن الجماعة، ومعه الخطاب الإيراني الموازي، تجاوز مرحلة الإيحاء إلى مستوى أعلى. السؤال الأكثر إلحاحا الآن هو: إلى أي حد حسم الحوثيون اتجاههم السياسي، ومتى وكيف يمكن أن يتحول هذا الاتجاه إلى فعل عسكري على الأرض؟


خلال فترة قصيرة برزت مؤشرات متقاربة أعادت هذا الملف بقوة إلى الواجهة. من ذلك تصريح القيادي في جماعة أنصار الله محمد البخيتي الذي أوحى بأن قرار الإسناد العسكري إلى جانب إيران قد اتخذ، وبيان وزارة خارجية الجماعة الذي قال إنها تتابع التطورات وستتخذ الإجراء المناسب، وإنها لن تقف مكتوفة الأيدي، ثم الرسالة المنسوبة إلى إسماعيل قاآني، قائد فيلق القدس، التي تحدثت عن دخول “جبهة المقاومة” المواجهة بقرار مستقل، وعن “مفاجآت” لم تعلن بعد. هذه الرسائل مجتمعة دفعت الخطاب من إعلان الجاهزية إلى التلويح بالمشاركة على الأرض، حتى لو لم تظهر بعد دلائل واضحة على بدء انخراط عسكري واسع من طرف الحوثيين.
ومع ذلك، يبدو أن الحوثيين يتحركون على مستويين. فمن جهة، يعلنون اصطفافهم السياسي الكامل مع طهران، ويقدمون أنفسهم جزءا من محور حلفائها، ويؤكدون أنهم لن يقفوا على الهامش إذا اتسعت الحرب. ومن جهة أخرى، لا يترجمون هذا الموقف السياسي في هذه المرحلة إلى مشاركة عسكرية كبيرة ومفتوحة، وإنما يؤجلون هذه الخطوة بحسب ما تمليه الحسابات. وقد تكون هذه الازدواجية مقصودة؛ إذ ترفع الجماعة التزامها السياسي إلى أقصى حد، وتبقي قرار العمل العسكري في دائرة التريث والمراجعة.
وتنسجم مع هذا الفهم المؤشرات الميدانية المتداولة عن رفع الجاهزية والتحشيد. فهناك حديث عن تعزيز الانتشار في مناطق التماس مع السعودية، وفي محيط الحديدة وموانئها، وفي تخوم مأرب. وهذه التحركات تشير إلى أن الجماعة تتصرف كطرف يستعد لاحتمال التدخل عند لحظة معينة إذا رأت هي أو رأت طهران أن الظروف أصبحت مؤاتية لذلك.
فالحوثيون يتعاملون مع الحرب بوصفها لحظة تعيد تحديد موقعهم داخل المحور الذي تقوده إيران، وفي الوقت نفسه تختبر قدرتهم على الحفاظ على سلطتهم داخل اليمن. فهم يريدون أن يظهروا طرفا منخرطا سياسيا بصورة كاملة، لكنهم لا يريدون القفز إلى مواجهة مفتوحة من دون حساب، أو أن يظهروا أمام اليمنيين باعتبارهم مجرد تابع ينفذ أجندة خارجية.
من هنا يمكن فهم أسباب التأجيل في اتخاذ قرار المشاركة المباشرة. أول هذه الأسباب هو الكلفة. فدخول الحوثيين الحرب قد يستجلب ردا أميركيا أو إسرائيليا أوسع، ويفتح باب استهداف قد يمتد إلى البنية العسكرية والقيادية بما يهدد قدرتهم على السيطرة في مناطق نفوذهم. وهم يدركون أن دخولهم هذه المرة يأتي في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، وفي مواجهة خصوم يملكون تفوقا عسكريا واستخباريا كبيرا. كما أن الجماعة قد لا ترى في الانخراط لصالح إيران مكسبا داخليا موازيا لذلك الذي حققته عندما ربطت هجماتها بحرب غزة، لأن البيئة اليمنية لا تتفاعل مع الحرب الإيرانية بالدرجة نفسها.
والسبب الثاني أن الجماعة، وربما طهران أيضا، ترى أن الاحتفاظ بورقة البحر الأحمر في هذه اللحظة أفضل من استخدامها دفعة واحدة. فالبحر الأحمر وسيلة ضغط سياسية واقتصادية وإقليمية عالية التأثير، واستخدامه على نحو محدود ومدروس يختلف كثيرا عن الزج به دفعة واحدة قبل أن تتضح صورة الحرب ومآلاتها.
أما السبب الثالث فهو ما تشير إليه بعض التقديرات من وجود تباين داخل دوائر قيادة الجماعة نفسها. فهناك اتجاه أكثر تشددا يدفع إلى تعميق الارتباط بإيران، ويميل إلى خيارات أكثر حدة، في مقابل اتجاه أكثر حذرا يفضل الانتظار إلى أن تتضح التطورات داخل إيران قبل الذهاب إلى مواجهة أوسع. وقد يرتبط التريث الحالي أيضا بنقاش داخل الجماعة حول حدود الارتباط بإيران وتوقيت الدخول.
بعض القراءات الأمنية لا تنظر إلى الحوثيين بوصفهم ورقة ثانوية داخل المعسكر الإيراني، وإنما ترى أنهم من أكثر الأطراف المرتبطة بطهران قدرة على الصمود والضغط. ويعود ذلك إلى سيطرتهم على مناطق تطل على البحر الأحمر وتهدد حركة الملاحة فيه، واتساع القاعدة السكانية التي يحكمونها، وطبيعة السلطة الأمنية التي يديرون بها مناطق سيطرتهم. وهذه العوامل لا تجعلهم قادرين على خوض حرب متكافئة مع الولايات المتحدة أو إسرائيل، لكنها تمنحهم قدرة حقيقية على الإرباك واستنزاف الخصوم وزيادة كلفة المواجهة إذا قرروا التحرك.
ولهذا فإن الأرجح في المدى القصير هو تصعيد محدود ومحسوب، عبر هجمات بحرية متقطعة، أو إطلاقات محدودة من الصواريخ والمسيّرات. ومن هنا يجب التمييز بين التصعيد المحدود والانخراط العسكري الواسع. فالانخراط الواسع هنا لا يعني حربا متكافئة بين طرفين متساويين، لأن الحوثيين ليسوا دولة في مواجهة دولة أخرى، وإنما جماعة مسلحة في مواجهة قوى دولية أكبر منها بكثير. ويعني انتقالهم من استخدام محدود ومتقطع لأدوات الضغط إلى فتح جبهة استنزاف مستمرة، عبر هجمات أكثر انتظاما واتساعا وتعددا في الأدوات والأهداف، بما يجعلهم طرفا مباشرا وثابتا في الحرب، لا مجرد طرف يشارك بإسناد محدود أو يبعث رسائل ضغط محسوبة. ولهذا يبقى التصعيد المحدود أقرب إلى التحقق من الانخراط العسكري الواسع في المدى القريب.
ويكتسب هذا كله وزنا أكبر لأن الجبهة البحرية نفسها لم تعد ساحة هامشية في هذه الحرب. فمع اختناق مضيق هرمز، اتجه عدد كبير من ناقلات النفط العملاقة إلى ميناء ينبع، ما رفع حساسية البحر الأحمر وباب المندب في معادلة الطاقة والتجارة. وإلى جانب ذلك، فإن التلويح المنقول عن مصدر عسكري إيراني بأن زعزعة الأمن في باب المندب والبحر الأحمر من الخيارات المطروحة أمام “محور المقاومة” يربط هذا المسار البحري مباشرة بخيارات الضغط التي يجري تداولها داخل المعسكر الإيراني.
لذلك كله، يصعب القول اليوم إن الحوثيين دخلوا الحرب فعلا بمعناها الواسع، كما يصعب في المقابل القول إنهم ما زالوا خارجها سياسيا أو عملياتيا. والأقرب أنهم رفعوا سقف التزامهم السياسي أكثر من أي وقت سابق منذ بداية هذه الجولة، لكنهم ما يزالون يؤجلون اتخاذ قرار المشاركة العسكرية. فيما يبقى السيناريو الأقرب، إذا استمرت الحرب خلال الأيام القادمة، هو لجوؤهم إلى عمليات عسكرية محدودة، مع إبقاء قرار الانخراط الواسع مرتبطا بسيناريو اتساع الحرب، أو تعرض إيران أو الجماعة نفسها لضربة مباشرة ومؤثرة تدفعهما إلى رفع مستوى الرد، أي عند لحظة تبدل الحسابات إلى درجة تصبح معها كلفة البقاء خارج الفعل العسكري أعلى من كلفة الدخول فيه.
وبهذا المعنى، لم يعد السؤال الأساسي: هل اتخذ القرار سياسيا؟ لأن الخطاب الصادر عن الجماعة وعن معسكر إيران يوحي بأن هذا المستوى من القرار بات أقرب إلى الحسم. والسؤال الأهم الآن هو: متى وكيف، وبأي مستوى، سيظهر ذلك على الأرض؟ وهو السؤال الذي سيحدد ما إذا كان الحوثيون يقتربون من دور ضغط محدود، أم من دور أوسع قد يعيد ربط اليمن مباشرة بالحرب الإقليمية الدائرة.

Rate this item
(0 votes)
LogoWhitre.png
جميع الحقوق محفوظة © 2021 لموقع تعز تايم

Design & Developed by Digitmpro